

في صباحٍ خريفيّ هادئ، دخلتُ بوابة الجامعة بخطوات مترددة، كأنني أعبر إلى عالمٍ لا يشبهني بعد.
الوجوه كثيرة، الأصوات متداخلة، والقلق يتسلل من بين ضلوعي كنسمة باردة.
في القاعة رقم (B3)، كان هناك صف طويل من الكراسي، وكل واحد منها يحمل رقمًا صغيرًا على زاويته المعدنية.
جلستُ على الكرسي رقم 12، لا أعلم لماذا اختارني هو، أو لماذا شعرتُ أنه ينتظرني.
كان الكرسي صامتًا، لكنه يحمل ذاكرة من جلسوا قبلي، وربما من سيجلسون بعدي.
ومن تلك اللحظة، بدأت الحكاية…
حكاية فتاة تبحث عن ذاتها بين المحاضرات، والكتب، والصدف التي لا تُكتب إلا على ورق الحياة.
*📖 كرسي رقم 12 – الجزء الثاني*
جلستُ على الكرسي رقم 12، أراقب القاعة بعينين متوترتين، كأنني أبحث عن شيء لا أعرفه بعد.
الطلاب يتوافدون، بعضهم يضحك، وبعضهم يحدّق في هواتفهم، وآخرون يبدون وكأنهم يعرفون طريقهم جيدًا.
أما أنا، فكنت أرتب حقيبتي مرارًا وتكرارًا، أفتش عن ثباتٍ داخلي وسط فوضى الخارج.
جلست بجانبي فتاة بشعرٍ مجعد ونظارات مستديرة، ابتسمت لي وقالت:
“أول يوم؟ واضح من طريقة جلوسك.”
ضحكتُ بخجل، وأومأت برأسي.
قالت: “أنا سارة، تخصصي أدب إنجليزي، وأنتِ؟”
“هندسة معمارية”، أجبتُ، وكأنني أختبر وقع الكلمة على لساني لأول مرة.
بدأت المحاضرة، ودخل الدكتور سامي، رجل خمسيني، يحمل أوراقًا كثيرة ونظرة حادة.
قال بصوتٍ جهوري: “الجامعة ليست مدرسة، ولن نعاملكم كطلاب، بل كأشخاص مسؤولين عن مصيرهم.”
ثم نظر نحوي مباشرة، وقال: “أنتِ، على الكرسي رقم 12، ما اسمك؟”
تلعثمت، ثم قلت: “ليان.”
ابتسم بخفة، وقال: “ليان، أتمنى أن يكون هذا الكرسي فأل خير عليكِ.”
ومن تلك اللحظة، صار الكرسي رقم 12 أكثر من مجرد مقعد.
صار نقطة انطلاق، صار شاهدًا على كل لحظة، كل دمعة، كل ضحكة، وكل ورقة امتحان مرت من بين يديّ.
—
*📖 كرسي رقم 12 – الجزء الثالث*
في الأسبوع الثاني، بدأت ملامح الجامعة تتضح أكثر.
الوجوه التي كانت غريبة أصبحت مألوفة، والأصوات التي كانت تشتتني صارت جزءًا من إيقاع يوميّ لا يخلو من المفاجآت.
لكن في صباح يوم الأربعاء، دخلت القاعة متأخرة.
كان الكرسي رقم 12 مشغولًا.
جلستُ في الصف الخلفي، وشعرت وكأنني نُفيت من مكاني، من عالمي الصغير الذي بدأ يتشكل.
لم أستطع التركيز. الدكتور سامي كان يشرح نظرية التصميم الديناميكي، لكن رأسي كان مشغولًا بذلك الكرسي.
لماذا شعرت أنني فقدت شيئًا؟
هل هو مجرد كرسي؟ أم أنه أصبح امتدادًا لوجودي هنا؟
بعد المحاضرة، اقتربت من سارة، وقلت لها:
“أشعر أنني غريبة اليوم، كأنني لا أنتمي.”
ابتسمت وقالت: “الانتماء لا يصنعه الكرسي، بل اللحظات التي تعيشينها فيه.”
كلماتها علقت في ذهني.
وفي اليوم التالي، وصلت مبكرًا، وجلست على الكرسي رقم 12.
وضعت يدي عليه، كأنني أعتذر له عن غيابي، أو أطلب منه أن يعيد لي شعوري بالثبات.
ومن تلك اللحظة، بدأت أكتب.
كل يوم، بعد المحاضرة، أفتح دفتري وأكتب ما حدث، ما شعرت به، وما لم أستطع قوله.
وصار الكرسي رقم 12 ليس فقط شاهدًا، بل شريكًا في سرد حكايتي.
*📖 كرسي رقم 12 – الجزء الرابع*
في الأسبوع الرابع، أعلن الدكتور سامي عن أول مشروع جماعي.
“ستُقسمون إلى مجموعات من أربعة، وستعملون على تصميم نموذج معماري لمبنى ثقافي يعكس هوية المكان.”
همهمات خفيفة ملأت القاعة، وبدأت العيون تتلاقى، تبحث عن حلفاء، أصدقاء، أو حتى مجرد وجوه مألوفة.
نظرتُ إلى سارة، لكنها سبقتني بنظرة اعتذار:
“آسفة ليان، وعدت ريم ونورا من أول يوم.”
ابتسمتُ، رغم أن شيئًا في داخلي انكمش.
جلستُ على الكرسي رقم 12، أراقب المجموعات تتشكل من حولي، وأنا أزداد وحدة.
ثم سمعت صوتًا هادئًا خلفي يقول:
“هل تمانعين أن أنضم إليك؟”
التفتُّ، كان شابًا طويل القامة، يحمل دفتر رسم مليئًا بالخطوط والأفكار.
“أنا يوسف، تخصصي تصميم داخلي.”
أومأتُ، وقلت: “ليان… هندسة معمارية.”
ابتسم وقال: “جميل، أعتقد أننا سنكوّن فريقًا جيدًا.”
انضمت إلينا طالبة أخرى تُدعى نادين، كانت هادئة، تكتب ملاحظات طوال الوقت، وكأنها تسجل كل شيء في عقلها.
ثم اكتمل الفريق بانضمام شاب اسمه عادل، كثير الكلام، كثير الحماس، قليل التركيز.
بدأنا العمل، وكان التحدي الأول هو الاتفاق.
كلٌ منا يحمل رؤية مختلفة، وكل فكرة تُطرح كانت تُقابل بعاصفة من الآراء.
وفي أحد الأيام، بعد نقاش حاد، خرجتُ من القاعة، وجلست على الدرج الحجري خارج المبنى.
لحقت بي سارة، جلست بجانبي، وقالت:
“أول مشروع دائمًا صعب، بس هو اللي يعلّمك كيف تصنعين صوتك وسط الضجيج.”
عدتُ في اليوم التالي، وجلست على الكرسي رقم 12، وقررت أن أتكلم.
عرضت فكرتي بثقة، دعمتها برسوماتي، وشرحت رؤيتي للمبنى الثقافي كمساحة تنبض بالحياة، لا مجرد جدران.
لأول مرة، شعرت أن صوتي مسموع، أنني لست مجرد طالبة خجولة في الصف.
ومن تلك اللحظة، لم يعد الكرسي رقم 12 فقط شاهدًا على ما أكتب، بل صار شاهدًا على ما أكون.
—
*📖 كرسي رقم 12 – الجزء الخامس*
مع مرور الأسابيع، أصبح الفريق أكثر انسجامًا.
يوسف كان يملك عينًا فنية لا تخطئ التفاصيل، ونادين كانت العقل المنظم، بينما عادل… كان لا يزال كثير الكلام، لكنه بدأ يضيف لمسة من الحماس الذي نحتاجه في لحظات التوتر.
أما أنا، فكنت أكتشف شيئًا جديدًا عن نفسي كل يوم.
أحيانًا كنت أعود إلى الكرسي رقم 12 فقط لأتأمل.
أكتب ملاحظات لا علاقة لها بالمحاضرات، بل بما أشعر به، بما لا أستطيع قوله بصوتٍ عالٍ.
وفي أحد الأيام، بعد اجتماع طويل للفريق، بقي يوسف ينتظرني عند باب القاعة.
قال: “ليان، هل تودين أن نراجع الرسومات سويًا في المكتبة؟ أعتقد أن فكرتك تحتاج بعض التوسيع.”
وافقت، رغم أنني كنت أعلم أن الأمر لم يكن فقط عن الرسومات.
جلسنا في زاوية هادئة، وتحدثنا طويلًا.
عن التصميم، عن الطفولة، عن المدن التي نحلم بزيارتها، وعن الأماكن التي نخاف العودة إليها.
كان حديثًا بسيطًا، لكنه ترك أثرًا عميقًا.
في تلك الليلة، عدت إلى غرفتي، وفتحت دفتري، وكتبت:
_”يوسف لا يشبه أحدًا. صوته هادئ، لكنه يترك صدى. وعيناه… كأنهما تقرآن ما لا يُقال.”_
لم أكن أعلم إن كان ما أشعر به هو إعجاب، أو مجرد امتنان لوجود شخص يرى ما خلف الجدران.
لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا:
أن الكرسي رقم 12، الذي كان يومًا ملاذًا من الوحدة، صار الآن نقطة التقاء بيني وبين العالم.
*📖 كرسي رقم 12 – الجزء السادس*
في نهاية الأسبوع الثامن، اقترب موعد تسليم المشروع.
الضغط كان شديدًا، والسهر أصبح عادة، والفرق بدأت تتفكك تحت وطأة التوتر.
لكن فريقنا، رغم اختلافاته، كان متماسكًا بشكل غريب، وكأن كل واحد منا يحمل الآخر حين يتعب.
في مساء أحد الأيام، وبينما كنت أراجع المخططات في غرفتي، تلقيت رسالة من يوسف:
_”هل تودين أن نلتقي غدًا بعد المحاضرة؟ هناك شيء أود أن أريكِ إياه.”_
أجبته بالموافقة، رغم أنني شعرت بشيء غامض في نبرة كلماته.
في اليوم التالي، جلسنا في الحديقة الخلفية للجامعة، حيث الأشجار تتمايل بهدوء، وكأنها تهمس للقلوب.
أخرج يوسف دفترًا صغيرًا، وقال:
“هذا دفتري القديم، كنت أكتب فيه كل شيء… قبل أن أقرر أن أدرس التصميم.”
فتح إحدى الصفحات، وقرأ بصوتٍ خافت:
_”أحيانًا، لا نحتاج إلى مبانٍ لنختبئ فيها، بل إلى شخص واحد يفهمنا دون أن نضطر للشرح.”_
نظرت إليه، ولم أجد كلمات تليق بتلك اللحظة.
ثم قال:
“ليان، هل هناك شيء تخفينه؟ شيء لا تكتبينه حتى في دفترك؟”
سكتُّ طويلًا.
ثم قلت:
“نعم… هناك مدينة لا أريد العودة إليها، وطفولة لا أرويها، واسم كنت أحمله قبل أن أصبح ليان.”
نظر إليّ بصمت، ثم قال:
“أنا لا أريد أن أعرف التفاصيل… فقط أردت أن أخبرك أنني هنا، إن أردتِ أن تقوليها يومًا.”
في تلك اللحظة، شعرت أن الكرسي رقم 12 لم يكن فقط شاهدًا على تحولي، بل كان بوابة عبور من ماضٍ كنت أهرب منه، إلى حاضرٍ أبدأ فيه بالتصالح مع نفسي.
*📖 كرسي رقم 12 – الجزء السابع*
كان يوم العرض النهائي.
الفرق تجهزت، القاعة امتلأت، والدكتور سامي جلس في الصف الأمامي، يراقب بعينيه الحادتين كل حركة، كل تفصيلة، وكأنها اختبار للروح قبل العقل.
وقفتُ أمام الشاشة، يدي ترتجف قليلًا، لكن نظرة يوسف من الخلف كانت كأنها تقول: _أنتِ قادرة._
بدأتُ العرض، تحدثت عن الفكرة، عن التصميم، عن كيف يمكن للمبنى أن يكون مساحة للشفاء، لا مجرد جدران.
ثم توقفت، ونظرت إلى الحضور، وقلت:
“هذا المشروع ليس فقط عن الهندسة، بل عن الإنسان.
عن كيف يمكن للمكان أن يحتضن من يشعر بالغربة، أن يمنحه فرصة ليعيد تعريف نفسه.”
صمتٌ خفيف عمّ القاعة.
ثم تابعت:
“أنا كنت أهرب من مدينة، من اسم، من طفولة لا تشبهني.
لكنني وجدت نفسي هنا، في هذا التصميم، في هذا الفريق، في هذا الكرسي رقم 12 الذي علّمني أن الثبات لا يأتي من الخارج، بل من الداخل.”
أنهينا العرض وسط تصفيق صادق، ليس فقط إعجابًا بالمشروع، بل احترامًا للصدق الذي تسلل بين الكلمات.
بعد العرض، اقترب الدكتور سامي، وقال:
“ليان، هذا ليس فقط مشروعًا معماريًا… هذا بيان شخصي.
أحسنتِ.”
وفي تلك اللحظة، شعرت أنني لم أعد أختبئ خلف دفاتري، ولا خلف الكرسي رقم 12.
بل أصبحت أنا، بكل ما كنت أخفيه، وكل ما بدأت أعلنه.
* *_كرسي رقم 12 –* *الجزء_ الثامن**
مرت السنوات كأنها لحظات، وكل فصل دراسي كان يضيف طبقة جديدة إلى شخصية ليان.
الكرسي رقم 12 بقي مكانها المفضل، حتى حين تغيّرت القاعات، كانت تعود إليه في أوقات الفراغ، تجلس، تكتب، وتستعيد ما كانت عليه وما أصبحت عليه.
وفي يوم التخرج، وقفت ليان أمام المرآة، ترتدي عباءة سوداء وقبعة مربعة، نظرت إلى نفسها وقالت:
_”أنا الآن أملك اسمي، وأملك حكايتي.”_
في الحفل، كانت سارة بجانبها، ويوسف خلفها، ونادين تلوّح من بعيد.
عادل كان يصوّر كل شيء، كعادته، ويصرخ: “ليان! ابتسمي، هذه لحظة تاريخية!”
حين نادت المذيعة اسمها، مشت ليان بثبات، كأن كل خطوة تحمل وزن السنوات التي سبقتها.
استلمت شهادتها، ثم نظرت إلى الصفوف الخلفية، حيث كان الكرسي رقم 12 فارغًا…
ابتسمت، وكأنها تودّعه، أو تشكره.
بعد التخرج، قررت ليان أن تسافر.
مدينة جديدة، لغة جديدة، ومكتب صغير في شركة تصميم ناشئة.
كانت تصمم مباني، لكنها كانت تبني شيئًا أعمق في داخلها:
إيمانًا بأن كل مكان يمكن أن يكون بداية، إن اخترنا أن نملأه بالحكاية.
وفي إحدى الليالي، جلست على شرفة شقتها، وفتحت دفترها القديم، وكتبت:
_”الكرسي رقم 12 لم يكن مجرد خشب ومعدن… كان مرآة، وكان صديقًا، وكان أول من سمعني حين لم أكن أجرؤ على الكلام.”_
ثم أغلقت الدفتر، وبدأت تكتب من جديد.
لكن هذه المرة، لم تكن تكتب لتفهم نفسها، بل لترويها للعالم.
*📖 كرسي رقم 12 – الجزء التاسع*
في صباح رمادي من شتاء المدينة الجديدة، دخلت ليان مكتبها الصغير في الطابق الرابع من مبنى زجاجي يطل على نهر ساكن.
كانت تحمل حقيبتها، ودفترها القديم، وكوب قهوة لم يبرد بعد.
على مكتبها، وُضعت ملفات المشروع الأول: إعادة تصميم مركز ثقافي في حيّ قديم، مليء بالتاريخ، لكنه منهك من الإهمال.
مدير المشروع، امرأة صارمة تُدعى “إلين”، قالت لها:
“ليان، هذا المشروع ليس فقط عن البناء، بل عن إعادة الحياة لمكان فقد نبضه.
أريد أن أرى في تصميمك شيئًا لا يُنسى.”
بدأت ليان العمل، لكنها شعرت بشيء ينقصها.
كانت تملك المهارة، والرؤية، لكن المدينة كانت غريبة، واللغة مختلفة، والوجوه لا تشبه وجوه الأمس.
وفي أحد الأيام، بينما كانت تتجول في الحيّ القديم، رأت كرسيًا خشبيًا مهترئًا أمام مكتبة مغلقة.
اقتربت منه، جلست، وأخرجت دفترها.
كتبت:
_”هذا الكرسي لا يحمل رقمًا، لكنه يحمل ذاكرة.
ربما لا أحتاج إلى رقم 12 لأبدأ من جديد… ربما يكفي أن أكون أنا، في أي مكان.”_
ومن تلك اللحظة، بدأت ليان ترسم.
تصميمها للمركز الثقافي كان مزيجًا من الحنين والجرأة، من الخطوط التي تحاكي الماضي، والنوافذ التي تفتح على المستقبل.
عندما عرضت فكرتها على الفريق، ساد صمتٌ يشبه ذلك الذي عرفته في قاعة الجامعة.
ثم قالت إلين:
“هذا التصميم… فيه روح. فيه قصة. فيه امرأة تعرف كيف تحوّل الذاكرة إلى حجرٍ ينبض.”
وفي تلك الليلة، عادت ليان إلى شقتها، وكتبت:
_”أنا لم أعد أبحث عن كرسي، بل عن أثر.
وأعتقد أنني بدأت أتركه، حجرًا بعد حجر، في هذه المدينة التي بدأت تشبهني.”_
*📖 كرسي رقم 12 – الجزء العاشر*
بعد أشهر من العمل، بدأ المركز الثقافي يستعيد نبضه.
الجدران القديمة أُعيد ترميمها، النوافذ الجديدة أُضيفت بعناية، والساحة الخارجية صارت مساحة مفتوحة للضوء واللقاء.
في يوم الافتتاح، وقفت ليان أمام المبنى، ترتدي معطفًا رماديًا، تحمل دفترها القديم، وتراقب الناس وهم يدخلون.
أطفال يركضون، كبار السن يتأملون، وفنانون يعلّقون لوحاتهم على الجدران التي كانت يومًا مهجورة.
اقترب منها رجل مسن، يحمل كاميرا قديمة، وقال:
“هل أنتِ من صمّم هذا المكان؟”
أومأت بابتسامة.
قال: “كنت أعمل هنا قبل أن يُغلق… لم أظن أنني سأراه ينبض من جديد.”
ثم أخرج صورة قديمة، وقال: “هذا أنا، جالس على كرسي خشبي أمام المكتبة.”
نظرت ليان إلى الصورة، كان الكرسي ذاته الذي ألهمها التصميم.
شعرت بقشعريرة خفيفة، وقالت:
“هذا الكرسي… هو من أعادني إلى نفسي.”
في تلك اللحظة، أدركت ليان أن التصميم لم يكن فقط إعادة بناء، بل إعادة وصل.
بين الماضي والحاضر، بين الناس والمكان، وبينها وبين جذورها التي لم تعد تخيفها.
وفي المساء، جلست في الساحة، وفتحت دفترها، وكتبت:
_”الكرسي الذي لا يحمل رقمًا… صار يحملني.
صار امتدادًا لكرسي رقم 12، وصار بداية لحكاية جديدة، لا تنتهي عند باب الجامعة، بل تبدأ من قلب المدينة.”_