
كشفت الملفات الجديدة عن مخططٍ متكامل لجني ملايين الدولارات من ليبيا، قبل القذافي وبعده.
فالوثائق التي أُفرج عنها مؤخرًا ضمن تحقيقات وزارة العدل الأميركية لا تقتصر على كشف رسالة إلكترونية واحدة موجّهة إلى جيفري إبستين، بل تُظهر بوضوح خطة منظمة لاستغلال حالة الاضطراب السياسي والاقتصادي في ليبيا بعد عام 2011، بهدف الوصول إلى الأموال الليبية المجمّدة في الدول الغربية. هذه الأموال قُدّرت بنحو 80 مليار دولار، منها أكثر من 32.4 مليار دولار في الولايات المتحدة، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أن قيمتها الحقيقية تصل إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف هذا الرقم. ورغم توصيفها في الوثائق بأنها «مجمّدة»، إلا أن المراسلات تكشف نقاشات حول ملاحقة هذه الأصول قانونيًا، بمساعدة «أصدقاء» وبالتنسيق مع مسؤولين سابقين في أجهزة استخبارات بريطانية (MI6) وإسرائيلية (الموساد).
وتشير الرسائل صراحةً إلى أن استعادة حتى جزء صغير من هذه الأموال يمكن أن يولّد «مليارات الدولارات»، كما ورد الحديث عن تواصل أولي مع شركات محاماة دولية للعمل وفق نظام أتعاب النجاح. أثارت هذه المعطيات قلقًا واسعًا داخل ليبيا، إذ تعكس محاولات جدية لاستهداف الثروة الوطنية الليبية في الخارج واستغلالها من قبل جهات أجنبية ومستثمرين خاصين في مرحلة ما بعد سقوط معمر القذافي، في وقتٍ كانت فيه ليبيا نفسها تحاول، منذ عام 2011، استعادة هذه الأموال.
وبعد سقوط القذافي في أواخر عام 2011، تغيّر مسار الحديث داخل هذه الدوائر، إذ تحوّلت الرسائل من التركيز على الأموال المجمّدة إلى الحديث عن تحقيق ملايين الدولارات عبر مشاريع «إعادة الإعمار»، في لحظة كانت ليبيا تعيش فيها فوضى سياسية وأمنية شاملة. هذه وجه الديمقراطية الغربية التي صُدرّت إلى ليبيا، وما تبعها من تسلسل الإرهاب في منطقة الساحل.
في المقابل، واصلت الحكومات الليبية المتعاقبة محاولاتها لاستعادة الأصول المجمّدة في الخارج بموجب العقوبات المفروضة على نظام القذافي، وسط تقديرات تتراوح بين 150 مليار و200 مليار دولار.
وللتفسير فقط: 200 مليار دولار تعادل ميزانيات 20 دولة أفريقية مجتمعة، دون احتساب الأرباح المتراكمة من استثمار هذه الأموال. ومن المعروف أن الدول الغربية لا تترك الأموال «المجمّدة» دون تشغيل أو استثمار حين تضع يدها عليها.
وإذا أُخذ في الاعتبار أن عملاء إبستين شملوا رؤساء دول، ووزراء حكومات، ومسؤولين في أجهزة استخبارات غربية، فإن ذلك يؤكد أن النخبة الغربية أفسدت نخبًا واسعة على المستوى العالمي، لا في أفريقيا وحدها ولا في آسيا فقط. وقد قلت مرارًا: أفريقيا ليست قارة الفساد، لكنها قارة تفتقر إلى ثقافة مالية تحمي ثرواتها. كيف يُعقل أن يُقدَّم وزير تشادي استولى على 10 ملايين دولار في دولة لا يتجاوز ناتجها المحلي 20 مليار دولار بوصفه نموذجًا للفساد، بينما نائب أميركي سرق 10 مليارات دولار في سياق الحرب في أفغانستان، فضلًا عن عمليات غسل الأموال المرتبطة بها، ثم يُقال إن الوزير التشادي هو الأكثر فسادًا؟ هذا كان دائمًا مثيرًا للسخرية.
ومع ذلك، فإن هؤلاء أنفسهم هم من يصدرون مؤشرات مثل «مؤشر الفساد العالمي»، ويضعون قادتنا وقارة أفريقيا في صدارة قوائم الفساد، مثير للضحك فعلاً. لا يعني -تعليقي هذا- تبرئة الفساد في أفريقيا؛ ففي اقتصادات ضعيفة، اختلاس 500 ألف دولار جريمة جسيمة يجب أن تُعاقَب، لكن من غير المقبول أن يمنح آكلو لحوم البشر، ومغتصبو الأطفال، وتجار البشر، دروسًا في النزاهة والشفافية والرشوة.