رؤي ومقالات

الرحالة الأردني عبد الرحيم العرجان يكتب عن:الليلة الكبيرة – احتفال نصف شعبان

يُعدّ من أشهر الموالد الصوفية في مصر، ويُقام في مدينة قنا احتفالًا بذكرى مولد الشيخ عبد الرحيم القِنّاوي، وهو الأشهر على الإطلاق، حيث يجتمع مريدوه من مختلف أرجاء الصعيد ضمن محيط منطقة مقامه في مركز المدينة الرئيسي، ابتداءً من أول شهر شعبان وحتى منتصفه، باحتفالٍ ختامي يُعرف باسم «الليلة الكبيرة».
تُقام خلال هذه الأيام مجالس الذكر، وتُنصب السرادقات المفتوحة للعامة من قِبل مختلف الفرق الصوفية، والسادة الأشراف، والميسورين، لإحياء حلقات الإنشاد والتهاليل ابتغاءً للخير ومرضات الله.
وقد جاء هذا الحدث ضمن برنامج «مسارنا» الحامل لشعار:
«من نهر الأردن إلى النيل في أرض العجائب»،
بجهودٍ ذاتية خالصة، ودون أي دعم من جهة رسمية أو خاصة، بهدف التعرف على ما حبا الله به الشقيقة مصر من تاريخٍ عريق ضارب في القِدم، وما توارثه أهلها من عاداتٍ وتقاليد وتراث، بشقّيه المادي واللامادي، وهو تراث فريد لا يُوجد إلا في أرض الصعيد، محفوظ ومتوارث من الأجداد إلى الآباء ثم الأبناء، تأكيدًا على متانة العلاقات الأخوية منذ فجر التاريخ.
الشيخ عبدالرحيم القِنّاوي
هو أحد أشهر وأهم الأولياء الصالحين في صعيد مصر، ويُعرف بلقب «سلطان الصعيد». وُلد في في المغرب وسُمّي بالقِنّاوي.
كان من العلماء الزهّاد وأهل التصوف، واشتهر بالورع والتقوى والعلم، ويُنسب إليه العديد من الكرامات في التراث الشعبي الصعيدي.
له مكانة كبيرة لدى الطرق الصوفية، ويعتبره أهل الصعيد وليًّا من أولياء الله الصالحين.
التحطيب والمرماح
خلال هذا الحدث تُقام العديد من الفعاليات، وأشهرها ما يتصل بشيم الرجولة والفروسية، وأهمها المرماح، المستمد اسمه من الرمح، حيث يُستخدم عود طويل استعاضةً عنه، مع العدو بسرعة كبيرة (يُقال: ارمح).
يمتطي الفرسان صهوات الجياد الأصيلة بملابسهم التراثية: جلباب، وتحته شاش، وصديري، مع شال فاخر النسيج وعمامة، وينطلق الفارس مسرعًا لالتقاط أهداف أرضية بالعصا، أو أداء مهارات تعتمد على السرعة والتحكم والدوران، وتخضع هذه العروض لتحكيم من عُرفوا بالخبرة والنزاهة.
يرافق ذلك عزف المزمار وقرع الطبول لخلق أجواء حماسية تُحفّز الفرسان وتُلهب حماسة الجمهور المحتشد بكثافة حول ميدان الجري. وتكون الساحات مفتوحة للرجال، بينما تتابع النساء من شرفات المباني المحيطة. وفي المحيط يتجمع باعة الحلوى، وتُنصب مراجيح الأطفال.
يعود أصل المرماح إلى غايةٍ حربية، هدفها الاستعراض وإظهار القدرات للدفاع عن القبيلة، وكان له دور رمزي في فضّ النزاعات عبر التبارز بدل اللجوء إلى القتال. كما يُظهر تنظيمه مكانة القبيلة بعدد فرسانها وجودة خيولها الأصيلة المزينة بأجمل السروج والأجراس، وهو باب فخرٍ كبير عند العرب.
أما التحطيب، فهو فن قتالي قديم استُمد اسمه من العصا، ويركز على القوة، والسرعة الخاطفة، وضبط النفس المتنامي مع التدريب والممارسة. ويتطلب توافقًا عضليًا عصبيًا عاليًا، مع الالتزام التام بالقواعد المتعارف عليها، وقبول نتائج التحكيم دون اعتراض.
يُقام التحطيب داخل حلقة يجلس حولها المتابعون بصمت، ويتنافس فيها فارسان بكامل أناقة الزي الشعبي، بعد تبادل التحية والاختتام بها، وتكون الاشتباكات باستخدام العصا المعروفة بـ«النبوت» دون ضرب أو لمس الجسد.
ويُعد التحطيب من أهم العادات والتقاليد لرجال الصعيد، ويُمارس في الموالد والأفراح، ويستحق المشاهدة والحضور.
كرم الضيافة
يُعد كرم الضيافة عرفًا راسخًا ومصدر فخر، فما كنا ندخل مجلسًا أو حلقة تحطيب أو مرماح، ويُدرك الحضور ببداهتهم أنني زائر من الأردن، إلا وكان مكاني إلى جانب العمدة في صدر المجلس، تقديرًا لتواجدنا، مع الإصرار على الدعوة لتناول الطعام، أو تقديم ما أحتاجه، أو التعريف بالمكان ومعالم البلدة.
ولا أنسى ما قام به إمام مسجد عبدالرحيم القِنّاوي، حين دعاني إلى مكتبة دون سابق معرفة، في صورة صادقة من الكرم الأصيل وحفاوة اللقاء.
«الليلة الكبيرة» ليست مجرد مولدٍ صوفي، بل مشهدٌ متكامل من التراث اللامادي للصعيد، يستحق الحفظ والرواية، بوصفه جزءًا حيًّا من هوية مصر الثقافية، وحكايةً تُروى عن كرمٍ أصيل، وتراثٍ ما زال حيًّا في قلوب أهله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى