رؤي ومقالات

سِفْر غزّة 6 صحفي يخلع خوذته ليرى وجه المدينة…بقلم حسن عبد السلام أبودية

إلى كلّ الصحفيين في غزّة .. أنتم الشاهد والشهيد

خلع الخوذة،

رأى المدينة عاريةً من جلدها،

رسم ملامحها على الميكروفون،

ثم قُطع البثّ

لكن الصّدى ظلّ يصرخ من بين الرّكام.

خلع الخوذة،

ذاك الدّرع الذي حمى وجهه من هجمات العالم القاسي، ليواجه المدينة عاريةً بلا أقنعة، بلا ستائر من دخان وحطام، بلا غيوم من صمتٍ يلفّ الحقيقة. وقف أمامه وجه المدينة، كطفل يولد من رحم الخراب، عارياً كقطرة مطر تسقط على جراح الأرض، تنفث رماد الذّكريات في فضاء الزّمن، تغني صمت الانكسار بألحان الليل السّاجي، الذي لا يفهمه سوى القلوب المشتعلة بالحزن المضيء.

رأى في عينيها بحيرة من دمعٍ جامد، أنهاراً من نسيانٍ مُتجمّد، حُفراً عميقة تنبض بالذّاكرة، وأمهات يلدن الألم مع كلّ فجر، وأطفالاً يقفون على حافّة اليأس، ينتظرون أن تحوّل الرّيح وجوههم إلى أسرارٍ تُكتب بالدّم، وجدران تئنّ تحت وطأة الغيوم السّوداء، ومُستشفيات تسبح في بحر من الخراب، تختنق أنفاسها على وقع قصفٍ لا يرحم، كما لو أنّ الموت يُجبر الحياة أن تهمس بصوت خافت: لا تنسوني.

في عمق الأنقاض، كان هناك روحٌ شهيد، تتراقص بين الحطام كنجمة ترفض السّقوط، تحيط بالمستشفى بهالةٍ من نورٍ خفيّ، كأنّها عباءة من الصّمت المقدّس تحاول أن تخفيه عن عيون القذائف، تُخفيه عن سوط الرّيح، تُغطّيه بظلّ الصّلاة التي لا تنتهي. كان ذلك الضّوء صوتاً داخليّاً، همساً خفيّاً، طيفاً صوفيّاً يرفرف فوق سحب الألم، ينثر بذور الحنان بين ركام الأمل المنهار.

خلع الصّحفي خوذته، ليس تنازلاً عن الحماية، إنّما هي لحظة تحرّر من قيود الخوف، وانكشاففٍ عن حقيقة الوجع، عن قسوة الحياة في أحلك صورها، عن صدق المدينة التي تقف بلا تزييف، وجهها المكلّل بالجروحٍ، والدموع، والحيرة في صمت الظّلام، والكثير من الوجع ومن الأمل.

إنّه إعلان أنّ الكلمات، رغم هشاشتها، يمكنها أن تصنع من رماد الخراب وروداً، ومن لهيب القتل قصائد أبديّة، ومن ظلمة الحصار شعاعاً يكسر ظلال السّجون.

رأى في وجه المدينة انعكاس نفسه، الصّحفي الذي لم يكتفِ برؤية المأساة، بل حفر بأظافره في صخور الألم لينسج منها سرداً، يبعث فيه الحياة عبر الحروف، يحمل قلمه كالسّيف في ساحة معركة لا تعرف الرّحمة، ينثر عليه بذور النّور في بحر من الظّلام، يُثبت أنّ الكلمة تبقى أعظم من القذائف، وأقوى من كلّ نيران الحروب.

وفي لحظات اللّيل التي لا تعرف النّوم، حيث يتداخل صراخ الجرحى مع همسات الأرض، تحلّق روح المدينة كعصفورٍ أسير بين الأعمدة، تعانق أنين الأطفال الذين سرق منهم البوح، وترانيم الأمهات التي لا تكلّ من الدّعاء، تشدّ الأواصر بين أنفاس الحياة وأشباح الموت، فتولد من جديد في قلب الحطام أملٌ يصارع الظّلام، ويكتب بدمائه لحن الخلود الذي لا يموت.

فبخلع خوذته، لم يفتح الصّحفيّ عينيه فقط على وجع المدينة، بل على روحها التي لا تنكسر، على سرّ الخلود الذي تبوح به القلوب، على شجاعة من يحملون لواء الحقيقة في وجه الموت، ليقولوا للعالم بصوتٍ مدوٍّ:

«هذه المدينة، رغم كلّ الخراب، تمشي على عكاز الزّمن، تنبض بدقات القلب الذي لا يعرف الهزيمة، وتصرخ بأعلى صوتها: أنا حيّ، أنا باقٍ، سأروي لكم قصتي حتّى آخر رمق.»

ها أنا أخلو بنفسي في ظلمة المدينة، وأسمع في صمتها حفيف أجنحة الغيب، همسات الأرواح التي لم تُدركها عيني، لكنّها تنبض في كياني. أتساءل: هل أنا ذلك الغريب الذي اختار أن يرى الحقيقة عاريةً، أم أنّني قطعةٌ من هذه الأرض، مجروحةً مثلي، تحمل نبضها في صدري؟

الخوذة التي خلعتها ليست مجرد معدنٍ يصدّ الرّصاص، بل كانت درعي عن نفسي، عن هشاشتي، عن خوفٍ دفين من أن أرى الحقيقة فأنهار. ولكن ما أن خلعتها، حتّى شعرت بنارٍ تشتعل في أعماقي، نارٌ تطهّر أكثر ممّا تحرق، تنقّي روحي من أوهام الحماية الكاذبة.

في كلّ حجرٍ محطّم، في كلّ وجهٍ شاحبٍ، أرى انعكاس ذاتي، أرى موتاً متكرّراً يُولد منه نورٌ غامضٌ، أرى وجعاً يتحوّل إلى ترنيمة، وأملاً يعانق عتمة الليل. المدينة ليست فقط ركاماً، ليست فقط دماءً، بل هي قصيدة لا تنتهي، نُسجت من خيوط الألم والرّحمة، من دموع الأم وأحلام الطّفل، من صبر الرّجال الذين يمشون على جمر الألم بثباتٍ لا يُقهر.

ألم أكن أظنّ أنّ الكلمة سلاحٌ ضعيفٌ؟ ها أنا اليوم، وأنا أخطو بين ركام الموت، أجدها درعاً من نور، وسيفاً ينحت في الصّمت ممرّاً للحقيقة.

سأكتب، لأنّ في الكتابة حياة، وفي الكلمات نجاة، وفي صوتي الذي لا يهدأ، سأترك للمدينة مرآة لا تخدع، وسأروي قصةً قلبها الذي لا يتوقّف عن النّبض، رغم أنف الظّلام.

وفي اللّحظة التي ظننتُ فيها أنّني وصلت إلى قعر الألم، أدركتُ الحقيقة القاتلة: لم يكن الخراب في المدينة فقط، بل في أعماقي أيضاً.

لم أخلع خوذتي لأرى المدينة فحسب، بل لأكشف عن خوذتي التي كنت أرتديها داخلي، خوذة الصّمت، خوذة الخوف من مواجهة الوجع.

المدينة لم تمُت، وأنا لم أُحِرر بعد. بين أنقاضها، تكمن أيضاً أنقاض نفسي التي لم أنحتها بجرأة كافية، التي ظننت أنّني قادرٌ على حملها دون أن تنكسر. ما خُلعت خوذتي إلّا لأكتشف أنّني ما زلتُ أرتديها في كلّ فكرة مكبوتة، في كلّ كلمة لم تُقال، في كلّ دمعة منسيّة.

الصّحفي الذي خلع خوذته، صار أسير خوذته الجديدة: خوذة الحقيقة التي تُعري الرّوح، وتُنهك الجسد، وتتركه يعانق الألم كرفيق لا مفر منه. والمدينة، هذه المدينة التي تمشي على عكاز الزّمن، ستبقى تمشي… لكنّي لن أتمكّن من مرافقتها إلّا عندما أخلع خوذتي حقّاً، وأسمح لنفسي بأن أرى، أن أشعر، أن أصرخ، وأنّي لا أزال حيّاً وسط موتنا الجماعيّ.

وهنا، حيث يلتقي الموت بالحياة، يُولد الصّحفي والموتى في آنٍ معاً، قصة لا تُروى إلّا بدموعٍ تُسكب على صفحات العالم، لتُخبره أنّ هناك من يمشي، من يرى، من يعانق الجرح… لكنّه لم يمت بعد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى