
تحييد المحاور الطارئة، وإعادتها إلى حالة الانكفاء الداخلي، وبروز التحالفات الإقليمية الكبرى والتاريخية بين مصر وتركيا والسعودية وإيران، يمثل عودةً لما يجب أن يكون، وتصحيحًا للأخطاء التي فتحت الطريق أمام إسرائيل لرسم ما تسميه «الشرق الأوسط الجديد».
هذه التحالفات التي تتبلور حاليًا بين مصر وتركيا والسعودية، في انتظار أن تنتهي إيران من أزماتها وتنضم إليها، لا تُنقذ المنطقة فقط من خطر التقسيم وصناعة مناطق النفوذ والتحكم في الممرات الاستراتيجية، بل تُنتج أيضًا كيانات اقتصادية قوية تدعم الاستقرار الإقليمي.
وفي كلمته يوم الأربعاء أمام منتدى الأعمال المصري-التركي في القاهرة، حدّد الرئيس رجب طيب أردوغان هذه الحقيقة بقوله إن تعزيز الشراكة الاقتصادية مع مصر يمثل أولوية استراتيجية تسهم بشكل مباشر في السلام والاستقرار الإقليميين. وبعيدًا عن حجم التبادل التجاري بين البلدين، وصف أردوغان تعزيز العلاقات بأنه قوة دافعة للاستقرار في منطقة مضطربة.
ومن خلال مواءمة المصالح الاستراتيجية في مجالات التجارة والاستثمار والدبلوماسية الإقليمية، تسعى تركيا ومصر إلى خلق بيئة أكثر استقرارًا وازدهارًا. ويُنظر إلى هذا التحالف المتنامي على أنه ثِقَل موازن للتقلبات الإقليمية.
التحالف الجيوسياسي بين القاهرة وأنقرة والرياض، الذي بدأت مؤشراته خلال زيارة أردوغان للبلدين، سيكون له تأثير مباشر على الأزمات الإقليمية في أفريقيا وشرق المتوسط.
ويقول معهد ISPI (المعهد الإيطالي للدراسات السياسية) إن تحقيق التقارب بين القوتين المتوسطيتين، مصر وتركيا، يأتي في ظل منعطف محبط تمر به المنطقة.
سترفع القوتان حجم التبادل التجاري بينهما إلى 15 مليار دولار، كما أشار أردوغان، لكن ذلك ليس الإنجاز الوحيد لتحالفٍ يعود بقوة. فقد زوّدت تركيا مصر بطائراتها المسيّرة الشهيرة «بيرقدار» التي أثبتت فعاليتها. وأوضح وزير الخارجية التركي أن «تطبيع العلاقات بين البلدين مهم لمصر لامتلاك تقنيات معينة»، مؤكدًا على الدوافع التجارية وراء المصالحة.
ويشكّل هذا التقارب لحظة أمل لليبيا من أجل استعادة الدولة الواحدة. فالقاهرة وأنقرة قادرتان على تغيير قواعد اللعبة عبر الاتفاق لا التنافس الذي شهدناه في السنوات الماضية، وهو ما بدأ يتحقق بالفعل. فتركيا، التي كانت تؤيد معسكر غرب ليبيا، باتت تمتلك علاقات ومشاريع مع الشرق الليبي، في حين أعادت القاهرة رسم علاقاتها مع الغرب الليبي، إضافة إلى العامل الجغرافي الذي لا يمكن تجاهله في علاقتها بشرق ليبيا، حيث يشترك الجانبان في حدود تمتد لنحو ألف كيلومتر.
ويقول المجلس الأطلسي إن قدرة البلدين على تجاوز توترات الماضي والتركيز على المصالح الاستراتيجية ستدفع تحالفهما الناشئ على حساب التنافس الإقليمي بينهما.
ولعل أبرز تطور في هذا السياق هو توقيع البلدين اتفاقية عسكرية إطارية تهدف إلى تعزيز التعاون في المجالات العسكرية والدفاعية، وتبادل الخبرات، ودعم آليات التنسيق بين القوات المسلحة في البلدين.
لقد انتهت فوبيا «العثمانية الجديدة» التي روّج لها خصوم التقارب المصري-التركي، متجاهلين العلاقة الخاصة والمعقدة التي تربط تركيا بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
فالحقيقة أن علاقات تركيا بالمنطقة لا يمكن اختزالها في حقبة الحكم العثماني. إذ جمعت العثمانيين وتركيا الحديثة قواسم مؤسسية وقانونية، فضلًا عن روابط ثقافية عميقة مع الشرق الأوسط.
وتركيا أردوغان لا تبني سياستها على هذا الماضي، بل تنتهج براجماتية مفيدة تقوم على المصالح المتبادلة وعدم الإضرار بالأطراف الأخرى.
ولم تعد السردية العثمانية قابلة للترويج في ظل التحول الذي طرأ على السياسة الخارجية التركية، وانعكس على رؤيتها للسلام والاستقرار. ونتيجة لذلك، سيتراجع المعسكر المعادي لأي تقارب مصري-تركي.
يمكن القول إن محورًا جديدًا يولد ولادة طبيعية بين القوى الجغرافية والعسكرية والاقتصادية المؤثرة في المنطقة: مصر والسعودية وتركيا، في انتظار قوة رابعة هي إيران، التي لا يمكن تجاهل وزنها الجيوسياسي والبشري والثقافي. وفي المقابل، ستتوارى المحاور التي وُلدت قيصريًا، وأشعلت المنطقة بتوترات حدودية وصراعات داخلية وحروب أهلية