
حين نتكلم، لا نُنصت، وإذا أنصتنا، لا نفهم، وإن حاولنا الفهم، بدَّد إطراءُ الجماعة صوتَ الحق فينا.
أتعلمون أن الطفل يبدأ بالكلام في عامه الثالث، وأن بعض الحيوانات الراقية تستطيع نطق بعض الكلمات؟ لكن ما الفارق الحقيقي بيننا وبينهم؟ ليس الفارق في القدرة على النطق، ولا في امتلاك الصوت أو الحرف، بل في عجزنا عن قبول الاختلاف. تحية طيبة لكل قارئ كريم.
أفتح معكم اليوم بابًا لموضوع يمسّ حياتنا اليومية من أدقّ تفاصيل حياتنا الخاصة إلى أوسع علاقاتنا العامة. موضوع يبدو – في ظاهره – في غاية البساطة، ويمكن لأي إنسان أن يتحدث عنه بارتياح، رافعًا المايكروفون ليكرر العبارة الذهبية التي حفظناها جميعًا: «الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية». نسمعها في كل الفضاءات العامة، من المنابر والمؤسسات التعليمية، إلى الإعلام والصحافة، والمحافل العلمية.
عبارة استهلكتها الألسن حتى بهت معناها.
لكن، وعلى كثرة ترديدها، وخصوصًا في عالمنا العربي، أخرج إليكم اليوم لأقول بوضوح مؤلم: الاختلاف في الرأي يفسد للود قضية.
فهذا هو الواقع العملي، حين نخلع عباءة التنظير وننظر إلى ما يحدث حولنا.
فلنبدأ من البيت، تلك اللبنة الأولى في تشكيل الحياة والوعي. لم ننشأ – لا نحن ولا آباؤنا – على أن الاختلاف مع الوالدين ممكن، ولا أن الاحترام لا يسقط لمجرد تباين وجهات النظر. هكذا ينشأ الطفل مكسور الإرادة، منزوع الحق في السؤال، محرومًا من التفكير المختلف. يُمدَح الطفل الذي يردد «حاضر»، بينما يُوصَم الطفل الذي يناقش ويجادل في تنفيذ الأوامر بأنه مشاغب، فيُنبَذ داخل أسرته بدل أن يُحتضَن.
والأغرب أننا ألبسنا هذا القمع ثوب الدين، وتحولت الآية الكريمة: «وبالوالدين إحسانًا» من قيمة أخلاقية سامية إلى لجام للسان، وتكبيل للعقل، وسوط على الظهر. يسمعها الطفل في كل مكان حتى يبدأ بالشك في عقله وقدرته على الفهم وإبداء الرأي. وحينها يختار أسهل الطرق: أن يُريح نفسه، وأن يسير كما يشاء من حوله.
فهل الإحسان يعني إلغاء الشخصية؟ وهل الطاعة لا تُبقي للعقل نصيبًا من حرية التفكير؟ وهل البر يتناقض مع الحوار، أم يكتمل به؟
ثم نرتقي إلى الصفّ المدرسي، حيث يُمجَّد الطالب المطيع، ذاك الذي ينفّذ تعليمات المعلّم دون سؤال أو نقاش. أمّا إذا أبدى رأيًا، أو حاول أن ينتقد ما يُلقَّن له، عُدَّ مشاغبًا، ويُنبَذ داخل مدرسته. وربما انتهى به المطاف في ذيل قائمة الدرجات، لا لضعفٍ في فهمه، بل لأنه فكّر بصوتٍ عالٍ.
وفي الجامعة… حدّث ولا حرج.
يتحوّل بعض الأساتذة إلى آلهةٍ صغيرة، يقرّرون مصير الطلبة وفق مزاجٍ شخصي أو خلافٍ عابر. فقد يمضي الطالب سنواتٍ من الجدّ والاجتهاد، ثم يجد نفسه راسبًا، لا لقصورٍ في علمه، بل لأن الأستاذ لا يريد له النجاح.
وهنا، في المكان الذي يُفترض أن يولد فيه الإبداع وتنهض الأمم، يُقتل الإبداع بدمٍ بارد، وتُدفن العقول في صمتٍ ثقيل.
ثم ندخل المؤسسات، فنجد السلم الإداري قائمًا على الخوف لا على الحوار. لا يجوز للموظف أن يختلف مع مديره. يُتعلّم النفاق، ويُمارس الانصياع، ويُغلق العقل حتى يصبح الخضوع مهارة يومية.
وإذا منحنا بعض العذر للبيروقراطية في المصالح الحكومية لأسباب لا يتسع لها المقال، ما يوجعني حقًا ليس موقف العامة، بل أولئك الذين يصنّفون أنفسهم مصلحين، ويعتلون المنابر ليحدّثونا عن سعة الصدر، وعن أن الاختلاف سنّة كونية، ويستشهدون بالآيات والأحاديث.
لكن ما إن يُمتحَنوا في الممارسة حتى يثبتوا عكس ما يقولون؛ فلا عذر لهم، وهم يفترضون أن آراءهم هي الحقيقة المطلقة، وأن من خالفهم أصبح خصمًا بالضرورة.
لقد تم الربط في اللاوعي الجماعي في مجتمعاتنا العربية بين اختلاف الرأي والعداوة. لا نصغي للرأي المخالف، ولا نحاول استيعابه، بل نترجمه فورًا إلى طعنٍ في الكرامة، أو مساسٍ بالهيبة، أو تهديدٍ للسلطة أو للشخصية. ثم نعلن العداء منذ اللحظة الأولى.
حتى من يسمّون أنفسهم نخبًا يقعون في الفخ ذاته؛ يحملون شهاداتٍ عليا ويتقلدون مناصب مرموقة، لكنهم لا يحتملون رأيًا يخالفهم، فيغضبون ويثورون وكأن الرأي المختلف تهديدٌ لوجودهم نفسه. وقد لمستُ هذا بنفسي في مواقع ومجالات ومحافل عديدة.
فإن كان هذا حال «النخبة»، فكيف يكون حال من هم دونهم معرفةً أو موقعًا؟
والذي يغذي هذه الثقافة، أعزائي القراء، ثقافة أخرى: التعظيم والتمجيد لكل من يعلو علينا شأنًا أو منصبًا. نشأنا على الخوف من الكبير، والخضوع لمن هو أعلى مرتبة.
نبتت هذه الثقافة من بذور انعدام الثقة بالنفس، ومن تربية تقوم على الانصياع والجندية العمياء. ومن هذه الجذور تشكّلت عادة تقديس الأشخاص، لا تقدير العلم.
أذكر مثالًا من إحدى الجامعات الغربية العريقة:
قابلتُ فيها قاضيًا سابقًا في محكمة العدل الدولية. دخلتُ عليه مترددة، أرتّب الألقاب في عقلي قبل الكلمات، خشية ألا أمنحه «الاحترام الكافي». لكنه نظر إليّ بابتسامة هادئة بعد أن لاحظ توتري، وقال ببساطة:
«قولي اسمي… كما أناديك باسمك، ناديْني باسمي».
ولحظتها أدركتُ كم نحن مثقلون بالألقاب، وكم نحن بعيدون عن جوهر الاحترام الحقيقي.
نجلس في محافل علمية لا تتجاوز الساعة والنصف، فنمضي عشرين أو خمسًا وعشرين دقيقة في تمجيد المحاضر قبل أن يبدأ حديثه. وإن اختلف أحد معه، تلتفت إليه العيون بدهشة واستنكار، وكأنه ارتكب جرمًا فكريًا:
كيف تختلف مع هذا «العَلّامة الكبير»؟
كيف تجرؤ على إبداء رأيك أمام هذا «الجهبذ العظيم»؟
وكأن العلم ثابت لا يتغير، وكأن العقول تُقاس بالألقاب لا بالأفكار.
فالأخلاق – قبل العلم – تبدأ بقيمة: أنصت بوعي، وأحترم الرأي المخالف.
هذه القيم تُكتب على الحيطان، ويتعلّمها الأطفال في المدارس في الدول التي سبقتنا في مدارج الحضارة.
لكن مسألة الاختلاف عندنا أمر صعب، لأن المحاضر نفسه لم ينشأ على قبول الرأي المخالف، والجمهور لم يتعود على سماع صوت مختلف. يصبح مجرد اختلافك معه «فضاعة كبرى»، وكأنك جئت بما لم يأتِ به الأوائل. فلا هو يسمع ليرى هل رأيك صائب أم لا، ولا الحضور يترك لك حق الكلام. يكفي أن تمضي خمسًا وعشرين دقيقة في تمجيده حتى يصبح فوق النقد، وفوق السؤال، وفوق الحوار.
ومن هنا، لا بدّ من بناء الحلول تدريجيًا، بصبرٍ ووعي، حتى نصل إلى تعاملٍ إنسانيّ راقٍ، يسوده الاحترام، ويُدار فيه الخلاف بوصفه حقًا لا تهديدًا، وقيمة لا خصومة.
والبدء دائمًا من اللبنة الأولى؛ فمنها وبها نهضت الأمم.
فالطفل ليس تفصيلًا عابرًا في حياة الوطن، بل هو جوهره ومستقبله المؤجَّل. وحين نمنحه استحقاقه الصحيح، ونستثمر فيه بعقل ووعي، لا نحصل على فردٍ صالح فحسب، بل على مجتمع يشبه أحلامه الكبرى، لا ملامح انكساراته المتراكمة.
نحن في حاجةٍ ملحّة إلى إعادة تأهيل الوعي الأبوي قبل أي شيء؛ إلى ورش عمل تُعلِّم الوالدين أن الطفل الصغير لا تنقصه القيمة، بل الخبرة فقط. وأن أفكاره ليست وقاحة، وأسئلته ليست خروجًا عن الطاعة، بل بوادر عقل يتكوّن، وإنسان يتشكّل. ينبغي أن تُناقَش أفكاره بهدوء، وأن يُخاطَب عقله بعقل، لا بأوامر صمّاء ولا بسلطة الصوت.
من هنا أناشد وزارات التعليم في جميع أنحاء الوطن العربي إلى وضع برامج تدريبية للمعلمين والمعلمات ضمن خطط تربوية ملزِمة لا شكلية، مدعومة برقابة مشددة، تعيد الاعتبار للعلاقة الإنسانية داخل الصف المدرسي وبكيفية احترام الطفل بوصفه عقلًا يفكّر لا وعاءً يُملأ. على المعلّم أن يستوعب هذه القيم أولًا قبل أن يُطالب بتطبيقها، وأن يتعلّم كيف يصغي لرأي الطالب، ويدير الحوار معه دون قمع أو تسلّط.
هكذا تفعل المجتمعات التي اختارت الحياة طريقًا لها؛
يقف المعلّم منصتًا لطفل في الصف الثاني الابتدائي، يصغي لحديثه، يتقبّل شكواه، ويمنحه حق التعبير دون خوف أو تهكّم. فيكبر الطفل وهو يشعر أن صوته مسموع، وأن رأيه محترم، وأن وجوده ليس عبئًا بل قيمة.
ومن هذا المناخ يولد طالب الجامعة القادر على النقاش بثقة، متزن الفكر، محترمًا بين أقرانه وأساتذته. تُدار أفكاره بكفاءة علمية وتربوية ومهنية عالية، لا بالقمع ولا بالإلغاء. ومن رحم هذا الوعي يخرج العلماء، وينهض المفكرون، ويولد المخترعون، وتبدأ الأوطان في استعادة معناها.
أمّا في الجامعة، فيستدعي ذلك إطارًا قانونيًا منصفًا.
يمنح الطالب الثقة بنفسه، ويحفظ حقه في النقاش، ويكفل له آلية عادلة لمحاسبة الأستاذ إذا أساء أو تجاوز، مع ترسيخ مبدأ احترام عقل الطالب ورأيه، لا إخضاعه لسلطة المزاج أو التعسّف.
وفي النهاية يأتي دور الإعلام بوصفه شريكًا أساسيًا في هذا المسار؛ الإعلام المرئي والمسموع، والمكتوب، مطالبون بغرس ثقافة الاختلاف، وتطبيع الحوار الهادئ في الوعي العام.
إن هذه الثقافة لا تولد في يومٍ وليلة، بل تحتاج إلى زمنٍ طويل، وصبرٍ متراكم. غير أنّ كل لبنة تُوضع في طريق إصلاح هذا الخلل هي بحدّ ذاتها خطوة ناجعة نحو مجتمعٍ أكثر وعيًا وإنسانية.