رؤي ومقالات

محمد المحسن يكتب :اغتيال سيف الإسلام: الخيط المقطوع..والحقيقة المأسوية

تبدو الجغرافيا السياسية الليبية كنسيج معقد من التحالفات الهشة والولاءات المتقلبة،حيث يتحرك كل لاعب على رقعة شطرنج مليئة بالألغام،محاولا إيجاد توازن مستحيل.في هذا المشهد الهش،لا يمكن اعتبار اغتيال سيف الإسلام القذافي مجرد حادث مأساوي في سياق الصراعات الداخلية العابرة،بل هو ضربة موجعة لبنى التوازن القائمة، وحدث ذو أصداء عميقة تتجاوز حدود الصراعات المحلية لتصبح جزءا من معادلة إقليمية ودولية أكبر.لقد كان سيف الإسلام،برغم كل الجدل الذي أحاط به،يمثل عنصرا فاعلا في معادلة ليبيا المعقدة،إذ يحمل في شخصيته رمزية الماضي ووعود مستقبل محتمل،ويجسّد قناة اتصال- قسرية أحيانا-بين عالمين متعارضين: عالم النظام السابق بعصبياته القبلية وشبكات مصالحه،وعالم ما بعد 2011 بفصائله المتعددة وأجنداته المتشظية.
ولطالما أثبت التاريخ أن إزالة الشخصيات المحورية في اللحظات الانتقالية الحرجة لا تؤدي إلى الاستقرار،بل غالبا ما تفتح أبواب الفوضى على مصاريعها.فكما أن اغتيال يوليوس قيصر في روما لم يعد بالجمهورية المنشودة،بل أطلق العنان لحروب أهلية طاحنة،وكما أن إعدام لويس السادس عشر في فرنسا لم يحقق الاستقرار الفوري،بل زاد من التطرف والعنف خلال فترة الرعب،فإن إزالة رموز لها قاعدة اجتماعية وسياسية واسعة في مجتمع مجزأ مثل ليبيا يخلق فراغا قابلا للتمدد،ويسرع لملئه أصحاب المشاريع المتطرفة والقوى الخارجية.
لم يكن سيف الإسلام مجرد ابن الزعيم الراحل،بل كان تجسيدا لحلقة وصل مع قطاع عريض من الليبيين الذين ظلوا على هامش المشهد الجديد، سواء أولئك المرتبطين بنظام والده أو الذين يرون في استمراريته رمزا للاستقرار المفقود أو حتى من يبحثون عن أي بديل عن الفوضى الحالية. اغتياله لم يمحُ هذه القاعدة،بل حولها إلى كتلة غاضبة وغير موجهة،قد تلجأ إلى دعم أي قوة تضمن انتقامها أو تحقق مصالحها،مما يزيد الطين بلة.
وتتجاوز العملية بكثير الصراعات الداخلية البسيطة،لترسم خريطة جديدة للتحالفات والنفوذ. ففي الخفاء،تتحرك أطراف إقليمية ودولية ترى في ليبيا ساحة لتصفية حساباتها أو تحقيق مكاسب جيوسياسية.واغتيال شخصية بهذا الثقل يخدم بالتأكيد أجندات بعض هذه الأطراف،إما بإزالة لاعب قد يعيق مشاريعهم،أو بتأجيج الصراع ليبقى البلد ضعيفا ومنقسما،أو بمنع أي تسوية شاملة قد تقود إلى ليبيا موحدة وقوية.إنه تأكيد على أن اليد الخفية للصراع الدولي في ليبيا لا تزال فاعلة وقادرة على تقويض أي مسار نحو الاستقرار عندما يتعارض مع مصالحها.بهذا المعنى،لم يُقتل رجل فقط،بل قُتلت إمكانية مسار سياسي كامل،وأُغلقت نافذة للحوار كان يمكن، رغم كل تعقيداتها،أن تكون جزءا من معادلة حل.
وختاما،تتركنا جريمة اغتيال سيف الإسلام القذافي أمام حقيقة مأساوية:فليبيا التي عانت من ويلات الحرب الأهلية والتفتت،لم تفقد رجلا في منتصف طريقه فحسب،بل فقدت أحد الخيوط القليلة التي ربما-وبرغم كل شيء-كان يمكن أن تُنسج منها لحمة وطنية هشة.
إن الدم الذي سال في ذلك اليوم لم يكن دم فرد، بل كان النزيف الأخير لأمل متبقي في مصالحة معقدة ولكنها ممكنة.ويذكرنا هذا المصير بأن شعوبا بأكملها قد تصبح رهينة لصراعات تتجاوزها، حيث تتحول الأجساد إلى رسائل سياسية، والأوطان إلى ساحات معارك للغير.
ليبيا الآن،بعد هذه الضربة،ليست فقط أكثر انقساما،ولكنها أيضا أكثر عُرضة للرياح العاتية التي تهب من خارج حدودها،حاملة معها غيما داكنا من المستقبل المجهول،بينما يبقى الشعب الليبي العظيم يحاول،بين الرماد والدخان،أن يعيد إحياء جمرة الوطن.
في النهاية،يبقى المشهد الليبي كما أشرت رقعة شطرنج متخمة بالألغام،حيث تحولت جريمة الاغتيال إلى حركة استراتيجية محسوبة لتغيير موازين اللعبة كلها.والدم الذي سال لم يكن دم فرد،بل كان إعلانا عن نزيف جديد في جسد وطن أنهكته الحرب،وإيذانا بإغلاق آخر النوافذ الضيقة أمام حوار وطني.وبين الرماد والدخان،يبقى السؤال القاسي معلقا: كم من “خيط وطني” هشّ يجب أن ينقطع،وكم من أمل متبقي يجب أن ينزف،قبل أن تدرك كل الأطراف-الداخلية والخارجية-أن مصير ليبيا لا يمكن أن يُبنى على قبور رموزها،بل فقط على طاولة حوار يشمل كل أبنائها؟!
المستقبل المجهول يلوح في الأفق،بينما يحاول الشعب الليبي الصامد،مرة أخرى،أن يجد طريقه نحو الوطن وسط عواصف لا يبدو أنها من صنع يديه وحدها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى