رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :من التوحش الى المحراب

هذه الطريقة التقليدية للنظام الرأسمالي في حل أزماته باللجوء الى تقسيط الازمة واعلانها بالاسماء وتركيبها على رؤوس اشخاص لكي يخرج النظام سليماً لذلك عكس التوقع الماركسي في ان الرأسمالية تحمل بذور فنائها لكنها لجأت عكس النظم الماركسية الى سياسة الامتصاص والمرونة والكشف بدل حلها عن طريق العنف والتخوين وحملات التطهير .
في حالة جيفري أبستين لا يحتاج الناس للخروج في مظاهرات في الشوارع بل يكفي الجلوس خلف الشاشات في البيوت والمقاهي والمكاتب ومتابعة مسلسل الوثائق والاحتجاج عن طريق صفحات التواصل بدل التخريب في الشوارع والممتلكات.
سياسة التنفيس بدل الاحتقان ثم الانفجار كما في النظم العقائدية.
النشر الواسع للوثائق حول الفضائح الى فرصة ظهور النظام كمؤسسة تصحيح دون مشانق في الشوارع العامة وقلص من تكلفة استعمال أدوات العنف كالشرطة التي تفاقم الأزمات بدل حلها عن طريق تنفيس الضغط بطرق هادئة.
الفضيحة المدوية العلنية تمتص الاحتقان وتحوله الى نقد من خلال خلق ” كبش الفداء” وخروج النظام سليماً كما لو ان الجرائم لم تتم تحت إشراف القانون وأدواته ومؤسساته وقادته.
وكما قيل ” الرأسمالية لا تموت من أزماتها، بل تتغذى عليها.” عكس النظم الثورية والعقائدية التي ماتت من تراكم أزماتها ومن سياسات التخفي والخنق والعنف” الثوري” الأهوج.
ليست مصادفة في قلب ضجة جرائم جزيرة الشياطين واهتزاز عروش عريقة كالنرويج حيث جرى استفتاء يطالب بازالة الملكية وتحويلها جمهورية بسبب ذكر ولية العهد في وثائق جيفري ابستين وعاصفة مماثلة في السويد وهذه ممالك مرفهة وراسخة ، في هذا الوقت يصل النظام الرأسمالي الى قمة المناورة بدعوة ترامب للتدين والصلاة كقنبلة دخان تغطي حفلة الفساد.
بهذه الطريقة الماكرة الملتوية أزاح النظام الرأسمالي الأزمة الأخلاقية على أنها ليست أزمة نظام ومؤسسات متواطئة وشريكة بل قضية ضعف الايمان الديني وبدل السؤال” من نحاسب؟” حل السؤال” لماذا فقد المجتمع طريقه؟” وهكذا يصبح المجتمع متهماً في الجريمة ” الفردية” وليست جريمة نظام متغطرس تحكمه أقلية متوحشة.
هكذا عدنا الى حكاية” الرئيس المؤمن The Pious President” وكنا نعتقد انها من انتاج الدول النامية وهي استراتيجية برع فيها الكثير من القادة العرب والمسلمين للهروب من الأزمات حيث الرئيس يحمل لقب الأب القائد، أي السلطتين السياسية والأبوية، من لا يؤمن بالسياسة عليه الخضوع للنظام الأبوي للأب المؤمن ، وهنا تصبح المشكلة ليست خروجاً على القائد أو الزعيم السياسي فحسب بل خروجاً من الدين.
جرائم جزيرة الشياطين في النهاية ضعف ايمان والحل في العودة الى الدين حسب الرئيس المؤمن ترامب الذي تناسى الحكم على مستشاره الروحي القس “روبرت موريس” بالسجن لمدة 6 أشهر بتهمة الاعتداء الجنسي على طفلة عمرها 12 عامًا.
ترامب كشخصية شعبوية وعقلية تجارية استعراضية يعرف ان الفساد السياسي يمكن تحويله الى فساد ديني وحتى الى غضب رباني وبذلك استفاد ترامب من تخلفنا وحيلنا في الهروب من القانون الى المحراب.
هذا التغيير في مسار الأزمة جعل الصراع ليس بين ضحايا ومتوحشين بل بين الرئيس المؤمن وملاحدة على طريقة الدول الدكتاتورية والمنظمات الارهابية والنظم القبلية.
دعوة الناس الى قرع أجراس الكنائس نوع من التطهير الاخلاقي من نجاسة جيفري ابستين وجزيرته ونظافة النظام وهي تشبه حكاية للاطفال كنا قرأناها في المدرسة الابتدائية” قصة الثعلب والدجاجة” عندما قرر الثعلب الذهاب الى الحج والتوبة بلحية ومسبحة في قارب عندما شاهدته الدجاجة من الشاطئ وسألته الى أين ذاهب؟ قال” الى الحج” وقد كف عن أكل الدجاج.
صدقته وركبت معه في القارب وبعد لحظات لم يبق منها غير الريش المتطاير وهو مصيرنا اذا صدقنا الرئيس المؤمن ودعوته الى تحويل دولنا الى ديمقراطية على طريقة جزيرة الشياطين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى