
في اليمن، حين يُقال لك: “مناضل بحجم الوطن”، لا تبحث عن إنجازات، ولا تسأل عن نتائج، ولا تفتش في دفاتر الكهرباء والماء والرواتب.
فالوطن هنا مفهوم مطاطي، يتمدد كلما ضاق المنصب، وينكمش كلما سُئل عن الفعل.
الشعب اليمني ــ هذا الكائن الأسطوري ــ يتضامن مع الجميع:
يتضامن مع المناضل، ومع المسؤول، ومع الضحية، ومع الجلاد إن لزم الأمر.
يصفق لكل خطاب، ويبارك كل تعيين، ويبتلع كل خيبة، ثم يمد يده للسماء… لأنها الجهة الوحيدة التي لم تُخصخص بعد.
أما “المناضل بحجم الوطن”، فقصته مختلفة تمامًا.
إنجازاته ــ إن دققت النظر ــ تجدها تحت الصفر، لكنها تُقدَّم لك في نشرات الأخبار على أنها فتح مبين.
مناضل لا يهزم عدوًا، ولا يبني دولة، ولا يوقف حربًا،
لكنه يتقن فنًا نادرًا:
الانتقال السلس من فشل إلى فشل… مع ترقية.
في اليمن، لا يُعاقَب الفشل، بل يُكافأ.
من فشل في وزارة، يُنقل إلى مجلس.
ومن فشل في مجلس، يُنقل إلى هيئة.
ومن فشل في هيئة، يصبح “رجل مرحلة”.
والمرحلة ــ بالمناسبة ــ لا تنتهي، لأنها تعيش على الفشل نفسه.
أربعون سنة والشعب يسمع العبارة نفسها:
“الأحوال ستتغير للأفضل”
لكن الذي يتغير فعلًا هو شيء واحد فقط:
أسماء الحسابات البنكية… في الداخل والخارج.
المناضل بحجم الوطن لا يحمل الوطن على كتفيه،
يحمله في جيبه.
لا يرفع علمه،
يرفع سعر صرفه.
لا يحرس كرامته،
يحرس مقعده.
أما الشعب ــ هذا المناضل الحقيقي ــ
فهو الوحيد الذي ناضل بلا رواتب،
وصبر بلا مؤتمرات،
ودفع ثمن كل شيء…
ثم طُلب منه أن يدعو فقط.
الدعاء أصبح سياسة عامة.
بديلًا عن الخطط: دعاء.
بديلًا عن الخدمات: دعاء.
بديلًا عن المحاسبة: دعاء.
وكأن الله ــ سبحانه ــ صار وزير التخطيط، ورئيس الحكومة، ورئيس هيئة مكافحة الفساد،
بينما “المناضلون” مشغولون بتقسيم الغنائم.
المفارقة المضحكة المبكية أن الشعب، رغم كل هذا، ما زال يتهم نفسه بالتقصير.
يقال له: “اصبر”
فيصبر.
“تحمّل”
فيتحمّل.
“ادعُ”
فيدعو.
بينما لم يُطلب من المناضلين سوى شيء واحد:
أن يستمروا كما هم… بلا خجل.
الحقيقة القاسية ــ التي لا تُقال في الخطب ــ
أن المناضل الوحيد بحجم الوطن هو هذا الشعب الصابر،
الذي لم يسرق،
ولم يهرب،
ولم يبدّل مواقفه مع تغيّر الرياح،
بل بقي واقفًا…
ينتظر وطنًا لم يأتِ،
ودولة لم تولد،
ومناضلين… بحجم ضمير، لا بحجم حساب.
وإلى أن يحدث ذلك،
سيظل الشعب يدعو،
وسيظل “المناضلون” يتنقلون،
وسيظل الوطن…
مشروعًا مؤجلًا باسم الوطنية.