
كُلَّما رَأَيْتُها تَتَرَنَّحُ صُعودًا ونُزولًا، إِلّا وفَهِمْتُ، عاجزا عن تشكيلها، كَيْفَ اصْطَبَرَتْ على كُلِّ هذِهِ السَّنَواتِ تُخْفي ما بَدا لي وغابَ عن وَعْيِها… اليَوْمَ أَيْضًا عَلِمْتُ أَنَّها اخْتارَتِ الشِّتاءَ لِتَحْكيَ لَهُ عن خَريفِها الموشِكِ على الرَّحيلِ، وعن ضياعها فيه، تارِكًا نُدوبَهُ عَلَيْها غائِرَةً لا تقبل الالتآم، ولَنْ يَسْتَطيعَ لا هُوَ ولا الرَّبيعُ المُقْبِلُ إزالَتَها.
ها هِيَ كَالْمَدينة؛ الحابِلَةِ بِالتَّائِهينَ وَسطَ أَمْواجٍ غَريبَةٍ مِنَ المِحَنِ غير المتوقعة والوَداعِ المستمر، لَفَظَتْ أَبْناءَها، تَقْتَرِبُ شَرِسَةً لِتُرْسِلَ لِلأُخْرَياتِ مَعانيَ الامْتِلاكِ والتَّمَلُّكِ، لِتَنْشُرَ جَناحَيْها على يَخْضورِها وتَمُدَّ لِحضْنِها تُرابَها وماءَها، باكِيَةً تارَةً ومُتَوَسِّلَةً تارَةً أُخْرى ومُتَشَبِّثَةً أَحايينَ أُخْرى بِكُلِّ شَيْءٍ حَوْلَها، حَتّى الهَواءَ، الذي ظل في خيالها حرا وحيدا، لَوِ اسْتَطاعَتْ إِلَيْهِ سَبيلًا!
كُنْتُ حينَها ولا زِلْتُ مُلْتَزِمًا الصَّمْتَ، أَخْتَزِلُها في تَشْيِيئِي لِلْمَوْجوداتِ واحتِقاري لِعَوالِمِهِم الفارِغَةِ مِن فُرَصِ النَّجاةِ والتَّفْكيرِ، وأَتَغابى لِكَيْ أَبْقى في جُبَّةِ المُنْعَزِلِ غَيْرِ العابِئِ بِسَفْسَطاتِ الآخَرينَ.
لكِنْ في نَفْسِ الوَقْتِ أَراني امْتَلَأْتُ مِنْ فَلْسَفَتي لِتَموتَ مِنّي شَفَقَتي… صارَ صَبْرُها يَنْفدُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتّى صَدَّتْني عَنْ سُطوعِ الشَّمْسِ، وقابَلَتْني لِتَتَلَعْثَمَ بِلَكْنَتِها الأَعْجَمِيَّةِ وهِيَ تَفْقِدُ نَفْسَها، غَيْرَ قادِرَةٍ حَتّى على البَوْحِ وإِفْشاءِ أَسْرارِها…
سِرْتُ، بِلا هَوادةٍ، أَتَجَوَّلُ مَعِيَّةَ الأَيّامِ في خَيالِها، فلا أَجِدُ إِلّا سَبيلًا واحِدًا ظَلَّتْ تَنْبشُهُ بِحَذافيرِ رَغْبَتِها أَشْهُرًا طَويلَةً لِيَحْجمَ عَنِ الاسْتِقامَةِ ويَتَفَرَّعَ لِسُبُلٍ شَتّى…للأسف..
اليَوْمَ كانَ عَظيمًا جِدًّا وأنا أَراها بِدونِ مَساحيقَ، بِلا أَقْنِعَةٍ ولا مَجازٍ يَحْتَمِلُ تَأْويلاتِ المُذْنِبينَ والبَريئينَ. اليَوْمَ بَرَزَتْ لي لِتُحاجِجَني بِأَصالَتِها، ولِأَنْفيَ عَنْها شُكوكي وتَشَكُّكي، ولِأَمْدَحَها بِلُغَتِها. وبَدَلًا مِنْ ذلِكَ، كُنْتُ كَالْمُنْصَرِفِ الغاصِّ بِماضيها وأنا لا زِلْتُ أُنْكِرُ كُلَّ قَصائِدِها…
هِيَ تُومِئُ بِذاتِها لِفِبْراير وقِصَرِ لَحَظاتِهِ، بينما أنا اخْتَلَطَتْ عَلَيَّ الأَشْهُرُ وتَشابَهَتْ لَدَيَّ الأَيّامُ والسَّنَوات…