
شاركت مؤخرًا فى إحدى الندوات.. غيرت مفهومى ونظرتى لما يسمى «الدولة العميقة» والتى يختلف مسماها ومعناها حسب مكان الدولة على خريطة العالم.
فهى فى الغرب تختلف عن الشرق، وفى الدول الديمقراطية عن الدول الاشتراكية!
فالبعض يطلق عليها – فى الغرب – الحكومة الخفية، أو مجلس إدارة العالم، وفى الشرق هى «الحزب الحاكم بقواعده المنتشرة فى كل مفاصل الدولة».
وهم.. فى كل الأحوال «أشخاص أو مجموعات متحالفة سياسيًا واقتصاديًا ويعملون خلف الكواليس ولا يمكن رؤيتهم أو محاسبتهم بخلاف «المسئولين» المعروفين للكافة أو «المنتخبين» فى المجالس النيابية».
ويردد البعض دائمًا أن هذه الدولة العميقة يمكنها إسقاط بعض أنظمة الحكم، أو تعطيل قراراتها التى تهدد مصالحها أو أنها متحالفة مع قوى خارجية تحمى استمرار تواجدها السياسى والاقتصادى.
ولكنى أعتقد أن «الأمر» مختلف فى مصر، الموحدة والمتجذرة فى التاريخ، حيث كانت الدولة العميقة تتكون من الكهنة والقادة والمهنيين والصناع مع العائلات الكبرى وبعض أفراد الشعب، وهؤلاء هم الذين حافظوا على استمرار الدولة وتماسكها على الرغم من «تداول» الحكم بين «الأسر» المتتالية والذين بلغ عددهم 30 أسرة.
وفى عصور الظلام، عندما توالت الغزوات الخارجية على مصر وحكمها الأجانب من الرومان والفرس واليونانيين وغيرهم وصولا للمماليك والعثمانيين والإنجليز، كانت الدولة العميقة «بمكوناتها المختلفة» تعطى ظهرها لهؤلاء الحكام الأجانب وتستمر فى مواصلة حياتها المعتادة، فى الريف والصحراء وبعض المدن البعيدة عن العاصمة، بل حتى فى العاصمة نفسها كان الصناع والتجار والمهنيين.. يختارون «شيخا» لنشاطهم أو مهنتهم لقيادتهم وتنظيم أعمالهم وتمثيلهم لدى السلطة والدفاع عن مصالحهم.
واستمر هذا الحال إلى أن جاء محمد على واستولى على حكم مصر – بمساعدة الدولة العميقة – وتمكن من تحقيق نهضتها الحديثة بالاستعانة بأفراد هذه الشبكة المجتمعية الكبرى.. سواء كجنود فى الجيش، أو فى مصانع السلاح ومستلزمات الحرب أو فى استصلاح واستزراع الأراضى، وإجمالا فى تحقيق «حلمه» فى بناء دولة مستقلة قوية يحكمها وأولاده وأحفاده من بعده!
ومؤخرًا.. استمرت الدولة العميقة بالعمال والفلاحين وموظفى الدولة، والطلاب والمهنيين ورجال الجيش والشرطة، والذين أطلق عليهم العهد الناصرى «تحالف قوى الشعب العامل»، هؤلاء.. هم الذين «حموا» البلاد من السقوط فى أحداث يناير 2011 وما تلاها.
أقول ذلك بعد أن رأيت – من خلال الندوة – كيف صمم أبناء الدولة العميقة، على مدى عشر سنوات؛ خريطة شاملة للاستخدامات المثلى لجميع الأراضى؛ تمثل دستورًا للتعمير والتنمية الاقتصادية فى مصر، لكى يحصل الجميع على ثمار التنمية بشكل متوازن.