المثقّف الغربي بوصفه محرّك التاريخ: من سؤال العقل إلى تفكيك السلطة…بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

لم يكن التحوّل الحضاري في الغرب حدثاً عَرَضياً، ولا نتيجةً آلية لتقدّم تقنيّ أعمى، بل ثمرةَ اشتغالٍ طويل للعقل على ذاته، ومساءلته المستمرّة لمسلّماته وأوهامه. ففي التاريخ الغربي الحديث، يتقدّم المثقّف لا بوصفه شاهداً على التحوّل، بل باعتباره صانعه الرمزي والعقلي؛ ذاك الذي يسبق الواقع بفكرة، ويُربكه بسؤال، ويدفعه—تدريجياً—إلى إعادة تشكيل نفسه.
منذ عصر التنوير، تشكّل المثقّف الغربي في موقعٍ إشكالي بين الفكر والسلطة. لم يكن فولتير مجرّد ناقد لرجال الدين، بل كان تفكيكاً حيّاً لسلطة المقدّس حين يتحوّل إلى أداة قمع. ولم يكن كانط في نصّه الشهير ما هو التنوير؟ بصدد تعريف مرحلة تاريخية فحسب، بل كان يؤسّس لأخلاق العقل المستقل، حيث يصبح التفكير فعلَ شجاعة، والخروج من الوصاية شرطاً للإنسانية ذاتها. هكذا، اقترنت النهضة الغربية بأسماء، لأن الأفكار لم تكن زينة ثقافية، بل قوى تاريخية فاعلة.
في هذا السياق، لم يُنتج الغرب تحوّلاته الكبرى عبر الثورات السياسية وحدها، بل عبر ثورات معرفية سابقة عليها. فالعقد الاجتماعي عند روسو، والنقد الجذري للعقل عند كانط، والتاريخ الجدلي عند هيغل، لم تكن نظريات معزولة في أبراج فلسفية، بل بُنى ذهنية أعادت صياغة مفاهيم الدولة، والحق، والحرية، والسلطة. لقد سبق الفكرُ الفعلَ، أو على الأقل رافقه ووجّهه، بحيث صار المثقّف بمثابة البوصلة الأخلاقية والرمزية للمجتمع.
ومع الانتقال إلى القرن العشرين، لم يفقد المثقّف الغربي هذا الدور، بل أعاد تعريفه. ففوكو لم يكن فيلسوفاً للمعرفة بقدر ما كان عالمَ تشريح للسلطة الخفيّة، تلك التي لا تحكم بالقانون وحده، بل بالخطاب، والمؤسّسة، والتطبيع. وجاك دريدا لم يهدم النصوص من أجل اللعب، بل ليكشف هشاشة المراكز التي ادّعت الثبات، ويفتح المعنى على تعدّده واحتماله. أما ليوتار، فكان إعلانُه “نهاية السرديات الكبرى” بمثابة شهادة وعيٍ بانتقال العالم من يقين التقدّم الخطي إلى تشظّي المعنى واختلاف الروايات.
ما يجمع هؤلاء، على اختلاف مشاريعهم، هو أن المثقّف الغربي لم يقبل أن يكون تابعاً للسلطة أو صدى للسوق، بل ظلّ في موقع المساءلة الدائمة. لقد انتقد الدولة وهو في قلبها، وهاجم العقل وهو أحد صُنّاعه، وفكّك الحداثة وهو ابنها الشرعي. هذا التناقض الخلّاق هو سرّ فاعليته: أن ينتمي دون أن يستقيل، وأن يشارك دون أن يذوب.
من هنا، يصعب—وفق الرؤية الغربية—فصل النتائج السياسية والاقتصادية عن البُنى الفكرية التي مهّدت لها. فالديمقراطية الليبرالية، وحقوق الإنسان، واقتصاد السوق، ليست مجرّد ترتيبات إجرائية، بل تجلّيات متأخرة لتحوّلات عميقة في فهم الإنسان لذاته، ولحريته، ولموقعه في العالم. وحين تآكلت بعض هذه المفاهيم، كان المثقّف نفسه أول من دقّ ناقوس الخطر، ناقدًا الحداثة من داخلها، لا مُمجّدًا لها بلا مساءلة.
إنّ تجربة الغرب، في هذا المعنى، لا تُختزل في استنساخ نماذج، بل في درسٍ أكثر عمقاً: لا تغيير بلا فكر، ولا فكر بلا مثقّف مستقل، ولا استقلال بلا شجاعة نقدية. فالمثقّف، حين يتحوّل إلى موظّف لدى الأيديولوجيا أو بوق للسلطة، يفقد قدرته على إحداث التحوّل، ويغدو جزءاً من العطالة التاريخية لا من حركتها.
هكذا، لم يكن المثقّفون الغربيون قادة التغيير لأنهم معصومون أو متفوّقون أخلاقياً، بل لأنهم أدركوا باكراً أن التاريخ لا يُقاد بالقوة وحدها، بل بالأفكار التي تُعيد تعريف الممكن، وتوسّع أفق الحرية، وتزعزع ما بدا أبديًا. وفي هذا الدرس، يكمن جوهر المسألة لا تفاصيلها: أن النهضة تبدأ من العقل، قبل أن تظهر في الشارع، وأن المثقّف—حين يفي لوظيفته—يكون ضمير عصره، لا زينته.