
في الأدب قاعدة تقول” إن الواقع إذا أصبح أكثر فجاجة وضحالة من اللازم، فإنه يعطل الخيال”.
فن الرواية هو تصوير العالم الخفي، القاع، الجزء المنسي من الواقع، الظلال الخفية، مما يدفع الانسان للتخيل. عندما يقدم الواقع نفسه كصدمة عنيفة يعطل الخيال ويحرك الذاكرة كمحاول لترميم الصدع وعبور الصدمة.
لكن عندما يصل الواقع الى مرحلة غير معقولة من الضحالة والوحشية والجنون لا يحتاج الانسان الى الخيال بل الوثيقة وهو يشاهد سواء في الواقع أو في وسائل الاعلام الجرائم السرية البشعة اللامعقولة لذلك تزدهر في مثل هذه الظروف الراوية الوثائقية أو التحقيق الصحفي الاستقصائي.
تاريخ الأدب الأمريكي الحديث كان في صراع مستمر مع النظام الرأسمالي ولم يكن غافلاً يوماً عن فساده وشره واستغلاله وهنا مفارقة غريبة عندما يطالب مثقفو وكتاب النظم الدكتاتورية من النظام الأمريكي بتحقيق العدالة والديمقراطية على العكس من كتاب الولايات المتحدة.
الأدب يعتمد الاستعارة والرمز كما في رواية “إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك؟” عندما استعمل الروائي هوراس ماكوي حفلة مسابقة الرقص كرمز لإستغلال الرأسمالية المتوحشة كذلك رواية” العراب” ماريو بوزو عن عالم المافيا السري لكن مؤلف العراب منح المجرمين صفات أخلاقية ولم يظهروا بتلك الفجاجة والوحشية كما في جزيرة جيفري أبستين.
كان العراب يحمي الضعفاء. في حالة أبستين لا أخلاق ولا أنصاف وحوش ولا استعارة ولا تخيل ولا منطق. واقع فج، ضحل ومن دون أدنى شك كان” العراب” سيرفض هذا الواقع.
على الرغم من أن أول انكشاف لجزيرة أبستين ظهر أول مرة عام 2005 لكن الأدب الأمريكي لم يقترب منها في حين اقترب من حرب العراق مبكرا” كرواية” رجل في الظلام” لبول أوستر ورواية” عاصفة النار” لنيلسون ديميل التي توقعت ضرب العالم العربي والاسلامي بالقنابل الذرية بخلق ذريعة الارهاب كما ظهرت روايات عدة كتبها جنود أمريكان شاركوا في غزو العراق بعد عودتهم الى الولايات المتحدة الامريكية مثل” الطيور الصفراء” لكيفين باوورز ورواية” فخ أخيل” ستيف كول وغيرها الكثير.
رغم جرأة الرواية الأمريكية لكنها تحاشت جزيرة أبستين: ليتل سانت جيمس. يرى البعض ان السبب التعقيد القانوني وعدم وضوح القضية، آخرون يعتقدون السبب تشابك النفوذ، لكن هناك من يعتقد ان القصة تجاوزت الخيال واللامعقول مما جعل الروائيون لا يقتربون منها وتركوا الأمر للكتب الوثائقية لأن الرواية لا تتحمل هذا النوع من التقزز وتفضل المقاربة النفسية والأدبية كما أن الجمهور فضل قراءة مذكرات الناجيات مثل كتاب جين غيوفري على قراءة رواية تجمع بين الخيال والواقع.
لكن ليس هو السبب الرئيس بل قد يكون أن الرواية الأمريكية طوال تاريخها الجرئ تناولت الفساد السياسي والاجتماعي والعنصرية والاستغلال وغسل الأموال ونقد الحروب لكن جرائم ابستين من نوع الجرائم الرخيصة وبعض التفاصيل صادمة مثل طائرة تحمل اسم “لوليتا إكسبريس” ـــــــــــــــ نسبة لرواية لوليتا للروائي نابوكوف ـــــ شخصيات حاصلة على جوائز نوبل، ملوك، ورؤساء دول، أميرات وأمراء، منظمات طفولة، شخصيات تعمل في مجال السلام. هذه التفاصيل الصادمة لا تبدو منطقية لروائي رصين مهما كان على معرفة بالحياة الأمريكية رغم أن علماء النفس قد حذروا منذ حوالي قرن وربما أكثر من الشخصيات المنحرفة المريضة كالسيكوبات والنرجسيين الخفيين الذين يتمتعون بجاذبية سطحية وأقنعة وهم في الحقيقة وحوش لم تغادر عصور الظلام والكهوف ولم يتطور دماغها لكنها تغطي على ذلك بالتمسرح والأقنعة والإحتيال وصناعة شخصية مزيفة.
لكن بدأت روايات تظهر بطريقة التفافية عن جرائم في جزيرة واستغلال النفوذ وطقوس وحشية واستغلال أطفال بعد رفع الغطاء القانوني ونشر الوثائق. لم تكن الرواية الأمريكية بعيدة عن هذه الجرائم لكنها ” صُدمت من الحجم” كما قيل.
حاولت الرواية العربية الاقتراب من عالم قصور النخب الحاكمة وفسادها وجرائمها لكنها لجأت الى الرمزية هرباً من السجن والرقيب والمصادرة وتعتبر روايات عبد الرحمن منيف الجرأة الأكبر على هذه النظم وروايات صنع الله ابراهيم وعلاء الأسواني خاصة” عمارة يعقوبيان” ومن أخطاء الرواية العربية التركيز على الظلم السياسي وتحاشي السلطة الاجتماعية والعنف الطبقي والعنصرية الخفية في المهن والسكن والأصل والجاه والثراء والقانون ومعارات الحرفة واللهجة والطقوس وكل ما هو مصنف كسلوك عنصري.
ــــــــــــــ من مفارقات وتشابكات الواقع العراقي كما عرفناه قبل الاحتلال إن سكان ضواحي بغداد الجنوبية كحي المشتل في بغداد الجديدة يستنكفون من سكان حي الفضيلية باعة الحليب وهؤلاء يستنكفون من جيرانهم سكان حي الكمالية الغجر لكن سكان معامل الطابوق وهم عمال فقراء يستنكفون من الاثنين.
أما نزلاء مستشفى الشماعية للامراض النفسية والعقلية القريب من هذه الأحياء فهم الأكثر تساهلاً وحكمةً وغير معنيين بالتصنيفات الطبقية وغيرها.