رؤي ومقالات

حمزة الحسن يكتب :ديكتاتورية الرعاع

إن أدوات التواصل الاجتماعي منحت حق الكلام لفيالق من الحمقى، الذين كانوا سابقاً يتكلمون فقط في الحانات بعد تناول كأس من النبيذ دون أن يسببوا أي ضرر للمجتمع.. أما الآن، فلهم الحق في الكلام تماماً كحائز على جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء.”* أمبرتو إيكو، عالم لسانيات وروائي ايطالي.
الكاتب الذي لا يسمح للحمقى في صفحته يتهم بالانفعالية مع ان الانفعال جزء من الفكر وعدم احترام حرية التعبير والديمقراطية والخ مع ان هؤلاء حتى لو منحوا حرية التعبير لكنهم محرومون من القدرة على التفكير حسب جورج أورويل. لا أعرف ما هو المصدر والأساس للشخص ألا ينفعل من الحماقة ومن الاساءة ومن السطحية؟ هذه علامة تشوه خطيرة وادمان على التفاهة والعادية ويحاولون ادخالنا في هذا النسيج البشع.
ليس باسم الديمقراطية يسمح للحمقى في الهراء وتحويل المكان الى سوق للضوضاء ولا يستطيع أحد اجبار الكاتب على قبول السطحية والبذاءة لأن الصفحة تعكس أخلاق صاحبها ومنزله ومن حقه اختيار الضيوف وحماية هؤلاء من الاساءة حتى في الدواوين والمضايف لا يسمح للحمقى بالدخول وبعض المقاهي القديمة كانت ترفض دخول هذه النماذج.
الصفحة صالون الكاتب الأدبي وهو صالون نخبوي ونحن بحكم التجربة الطويلة نعرف من العبارة الأولى من هو هذا القارئ ومن لغته نعرف اذا كان قد قرأ كتاباً نقدياً أو أدبياً أو فكرياً كما يعرف ميكانكي او طبيب او بقال الآخر من لغته رغم اننا نغض النظر عن ذلك ونركز على شكل التعليق اذا كان مهذباً أم لا بصرف النظر عن المحتوى لأن الشكل أخلاق. هؤلاء يريدون تحويل الصفحة الادبية الفكرية الى سوق وتحويل القراء الى زبائن.
هناك من يعتقد ان من حقه ان يقول كل ما يريد وهو واثق بشكل مطلق من فكرته مع انها سطحية وتافهة ومسيئة لكنه يرى بميزان قدرته ويعتبر حذفه او حظره اساءة او اهانة مع ان هؤلاء لو حاولوا الاساءة في بار او مقهى او محاضرة لتم طردهم حالاً لكننا في زمن الرعاع.
ثم من قال لهؤلاء ان الديمقراطية تسمح بهذا الهراء وأنا أعيش في دولة تجاوزت الحداثة الى ما بعد الحداثة لكنها تستعمل معايير صارمة في الحوار لكي لا تختلط اصوات العقلاء بضجيج الجهلة ولا يفسر الحزم كغضب او عصبية على الطريقة الشرقية بل يفسر على انه انقاذ للحضور وحماية لهم من هذا الدخيل وحماية للوعي والرصانة.
هناك وسائل يستعملها الغوغاء لترويض الكاتب الرصين الذي يحترم نفسه ويحترم ضيوفه ويحترم كلماته في تحويله الى مخلوق غاضب من لا شيء أمام ملائكة أطهار لهم حق التعبير مع ان الحق في التعبير ليس هو الحق في التبعير.
هناك قواعد وأصول في الحوار وحتى في المخاطبات وأتذكر أول يوم دخلت فيه اتحاد أدباء العراق أول مرة فقدت القدرة على التنفس الطبيعي من الرهبة وتعثرت في الباب.
المساواة في ادوات النشر ليست هي المساواة في الكفاءة والقدرة والموهبة وقد منحت التكنولوجيا الميكروفونات للجميع لكنها لم تمنح المنطق والذكاء والثقافة للجميع. أن تملك صفحة لتكتب لا يعني أمتلاك عقول ومشاعر وثقافة الآخرين.
غالبا ما اتساءل من اين يملك هؤلاء الثقة المفرطة بالنفس؟ مع الوقت اتضحت القضية. ليست ثقة ولا مفرطة ولا نفس لأن الثقة عفوية وليست مفرطة بل متواضعة ولا تتواجد ثقة في نفس جاهل. هذه الوقاحة مصدرها الجهل بجهلهم ومن لا يملك ذاتا طبيعة كمرآة عاكسة ليست عنده صورة ذاتية عن نفسه بل صورة مضخمة كحيوان يتشاجر مع صورته في المرآة.
” الأحمق يعرف كل شيء عن أي شيء” بتعبير ميلان كونديرا. بل يستطيع ان يحدثك بلا معرفة كيف تشعر وانت لا تعرف تلك اللحظة كيف تشعر ومع من تعيش وكيف تعيش بالتفصيل ــــــــــــــــ عندي رسائل من هذا النوع ـــــــــــ وهو لا يعرف شيئا بل يحدثك عن امراضك الاسطورية التي لا تعرفها وعن بعد وهو مطمئن وواثق مما يقول لان الغباء كالكون لا حدود لهما حسب البرت اينشتاين.
يتحدث هؤلاء بلغة قاطعة مطلقة يقينية في كل قضية تتحمل منطق الاحتمالات والاستدلال وتقليب الأوجه.
بالنسبة لهؤلاء ليست الكتابة انتاج معرفة بل فرصة ظهور وكان أحد هؤلاء يكتب سيرته الذاتية كتعليق على كل مقال أدبي أو فكري أو سياسي عام حتى وقعت في مشكلة نفسية كيف الفت نظره لأني أعرف هذا الصنف سيتحول الى عدو أبدي لكني وجدت تجاهل سيرته الى تعليق حول الموضوع نفسه ولم اكن استعمل الصيغ النرويجية في التعامل مع هذا الصنف كعبارة” أحتاج الى وقت طويل لكي أفهمك” أو” أنت ذكي جدا بحيث لا تستحق الرد السريع” أو” أخذت مساحة كبيرة من الصفحة” لان هؤلاء لا يفهمون هذه الصيغ المخففة المهذبة.
صنف لا يعلق على ما نكتب بل يقول ما يريد وهو يفرغ شحنة أكثر من تحليل فكرة. من حق الكاتب أن يغضب وينزعج ويشعر بالقرف وهي مشاعر طبيعية ويبدو ان البعض غرق في حياة تافهة وعادية وصار يحاول فرض ادمان التفاهة على الاخرين او انهم لا يحترمون الرأي الآخر.
الكاتب الرصين يتعامل مع الكتابة بمسؤولية وأمانة ويحاول خلق تقاليد حوار في هذا الابتذال الواسع ويرفض هذا النوع من العنف الناعم لترويضه بحجة الغضب أو الحظر وهذه إساءة للجمهور والقراء أيضاً حين تتم مساواة الحمقى في المساحة مع العقلاء ويضيع الفارق في التقييم بين المنطق وبين الهراء .
الحل في الحسم ونحن ثقافة مجاملات ولا نعرف الحسم مع انه جمال ووضوح وصحة ونظافة فكرية لا يعرفه هؤلاء البلهاء الذين يعتقدون ان الهراء هو وجهة نظر كما ان منح هؤلاء مساحة أوسع بل مجرد مساحة هو إساءة للقارئ الرصين المحترم الذي اختار صفحتك من بين العدد الهائل من وسائل الاعلام وصرف وقتا للمتعة او للاكتشاف في أن يحتل مساحته شخص أحمق وسطحي بل وتافه.
مع الوقت تفقد الصفحة رصانتها عندما تتحول المجاملة الى نفاق وقبول الحماقة على انها من حقوق الديمقراطية وكما قال برنارد شو”
” “أسوأ ما في الديمقراطية أنها تجبرك على سماع صوت الحمقى”.
ـــــــــــــــ يدخل الصفحة كل شهر أكثر من نصف مليون قارئ حسب برنامج” رؤى” الخاص بالصفحة وفي كل مرة اقوم بعملية تنظيف للصفحة شملت المئات ممن لا حضور لهم او دخلوا خطأ أو الصفحة لا تلبي توقعاتهم. غالبية القراء قراء خطابات سياسية وليس فكرية أو أدبية ولست من ثقافة الرقم رغم ان عدد المتابعين كما يظهر تجاوز 11 الف قارئ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى