كتاب وشعراء

مرآةُ العالمِ الأخيرة …بقلم أحمد سعود عوض

في فشل الإنسان أمام مرآته

الإهداء

إلى الطفلِ

الذي لم يحمل اسمًا

لأنّ الأسماءَ لا تتّسعُ للهباءِ الحارّ.

إلى الطفلِ

الذي مشى في الضوءِ

فانكسرتْ العدالةُ تحت قدميه،

وصار دمه مرآةً

رأى فيها العالمُ

وجههُ الحقيقي.

مقدمة شعرية

لم نكتبْ هذه الكلمات

لنضيفَ نشيدًا إلى الضجيج،

بل لنضعَ المرآةَ

في وجهِ عصرٍ

يتقنُ الهربَ من صورته.

هذا النصُّ

ليس رثاءً،

ولا خطابَ كراهية،

بل شهادةٌ أخلاقية

في زمنٍ

صار فيه الصمتُ

لغةَ الحكم.

نكتبه

لأنّ طفلًا واحدًا

قال الحقيقةَ

حين عجزَ العالمُ عن قولها.

النص الشعري

مرآةُ العالمِ الأخيرة

(1)

سقوطُ القناع

كان العالمُ يعلّقُ العدالةَ

كقنديلٍ على بابِ السماءِ،

ويقولُ للريح:

انظري… نحنُ طيّبون.

حتى تعثّرَ طفلٌ في غزّة،

فسقط القنديل،

وانشقّ الضوءُ عن وجهٍ آخر:

وجهِ الخوف.

تكسّرت المرايا الأولى،

وسقط القناعُ من جبينِ القانون،

فرأينا التجاعيدَ القديمة

على جلدِ الحضارة.

قالوا:

هذا نظامُ الأرض.

قلتُ:

بل كتابُ الخطايا،

مجلَّدٌ بجلدِ البشر،

تقلّبه أيادي الليل

كما تقلّبُ الريحُ رمادَ المدن.

(2)

أدراجُ الظلال

في أقبيةِ القرار

تُفتحُ الأدراجُ مثل توابيت،

تخرجُ الصورُ بلا عيون،

والأسماءُ بلا وجوه،

وتُعلَّقُ الفضائحُ

على جدرانِ السياسة

كخرائطَ جديدةٍ للسلطة.

في الليل

تُتلى الأسماءُ كصلواتٍ سوداء:

“اصمت…

لكي تبقى حيًّا في الكرسيّ”.

وهكذا صار الكلامُ جريمة،

وصارت الحقيقةُ

جوازَ سفرٍ ممنوعًا.

(3)

ملوكٌ بين العرش والعار

صار الملوكُ

مصلوبين بين عرشٍ وفضيحة،

بين توقيعٍ وصورة،

بين قرارٍ وملف.

لا يملكون أن يقولوا: لا،

لأنّ الـ “لا”

تحتاجُ قلبًا بلا أرشيف،

وروحًا لا تحفظها الأدراج.

صار الحكمُ

فنَّ النجاة من الانكشاف،

وصارت السياسةُ

علمَ الاختباء في الضوء.

(4)

فلسطين: الجملة المستحيلة

أما فلسطين

فلم تكن أرضًا،

ولا خارطة،

ولا نزاعَ حدود،

بل جملةً أخلاقيةً

لم يحتملها العالم.

كيف يموتُ طفلٌ

ولا يرتجفُ القانون؟

وما زالتْ رائحةُ شعرِه المحروقِ

عالقةً في كمِّ أمِّه،

كأنّها دليلُ إدانة.

كيف تحترقُ مدينةٌ

ولا تسقطُ الأمم؟

وكيف يبتلعُ الضميرُ دخانَ البيوتِ

ثم يَظهرُ في النشرةِ مبتسمًا؟

فهمتُ حينها

أنّ المشكلة ليست في البنادق،

بل في القلوب

التي اعتادت رؤية الموت

كخبرٍ عاجل.

(5)

المرآة

عرفتُ أن هذا الكوكب

لا يخافُ السلاح،

بل يخافُ صورتَه في المرآة،

وفلسطينُ هي المرآة.

كلُّ دمعةٍ هناك

تكتبُ على وجهِ الزمن:

هذا عصرُ الرذيلةِ المتوَّجة،

عصرُ الملفاتِ المقدّسة،

عصرُ العدالةِ المصلوبة

على شاشةِ الأخبار.

والمرآةُ لا تجامل،

ولا تُغمضُ جفنًا،

ولا تغيّرُ الحقيقة

من أجل الملوك.

(6)

حربُ الداخل

لم تُكشفِ الأسرارُ

لأنّ الضميرَ استيقظ،

بل لأنّ الوحوشَ

اختلفتْ على الغنيمة.

صار العالمُ دفترًا للذنوب،

والدولُ فصولًا في كتابِ الخوف،

والقانونُ لم يَعُدْ قانونًا؛

إنّهُ قفّازٌ أبيضُ

يمسحُ الدمَ

عن شاشةٍ لامعة.

كلُّ تسريبٍ

سكينٌ في ظهرِ سكين،

وكلُّ فضيحةٍ

حربٌ داخلَ القصر.

أمّا الشعوبُ

فيُرادُ لها أن تشربَ الصدمة

كقهوةٍ صباحيّة،

ثم تمضي إلى أعمالها

وكأنّ القيامةَ مجرّدُ إشعارٍ على الهاتف.

(7)

وصيةُ المرآة

لكن المرآةَ

لا تنكسر،

ولو رجمها القبحُ بالحجارة،

ولا تموتُ الحقيقة

ولو خنقها الضجيج.

ستبقى فلسطينُ

تسألُ العالمَ كلَّ صباح:

هل ما زالت الأخلاقُ ممكنة؟

هل ما زال الإنسانُ

أثمن من الصورة؟

هل ما زال للعدلِ معنى

حين يصمتُ الجميع؟

(8)

اليومُ الأخيرُ للسرّ

وسيجيءُ يومٌ

تصدأُ فيه الكاميرات،

وتذوبُ التسجيلات،

وتغرقُ الجزرُ في صمتها،

وتسقطُ الأسرارُ من جيوبِ التاريخ

كعملاتٍ منتهية الصلاحية.

يقفُ العالمُ

عارياً أمام السؤال،

بلا قناع،

ولا صورة،

ولا ملفّ.

ويُسألُ:

من حكمكَ؟

النور؟

أم الظلّ؟

القيم؟

أم الخطيئة؟

(9)

القاضي الأخير

وحينها

لن تنفعَ شهادةُ الكاميرات،

ولا أرشيفُ الفضائح،

ولا خرائطُ القوة.

ستقفُ المرآةُ وحدها

قاضيًا أخيرًا،

وسيكون الحكمُ

مكتوبًا

بدمعة طفل،

وبصوت مدينةٍ محترقة،

وبسؤالٍ لا يموت:

هل كنتم بشرًا…

أم مجرّد

واجهاتٍ تخافُ الحقيقة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى