رؤي ومقالات

أزمة الخطاب السياسي العراقي من الاعتدال إلى الطائفية المتفجرة…بقلم حيدر البرهان

مقدمة: تحول خطير في المشهد السياسي

شهد العراق بعد عام 2003 تحولاً جذرياً في الخطاب السياسي، انتقل من خطاب المعارضة الوطنية السابق الذي كان يركز على القضايا العامة والهموم المشتركة، إلى خطاب طائفي إقصائي مزق النسيج الاجتماعي العراقي. لم يكن هذا التحول عفواً، بل كان نتاجاً لعوامل متعددة داخلية وخارجية، أعادت تشكيل الوعي الجمعي العراقي وفق هويات فرعية بديلة عن الهوية الوطنية الموحدة.

الجذور التاريخية: من المحتل إلى الأنظمة الإقليمية

بعد الغزو الأمريكي للعراق، عملت سلطات الاحتلال على تفكيك مؤسسات الدولة العراقية، وأسست نظاماً سياسياً قائماً على المحاصصة الطائفية والإثنية. هذا التأسيس النظامي للطائفية وجد أرضاً خصبة بفعل عقود من سياسات النظام السابق التي قمعت التعبير السياسي الطبيعي للهويات الفرعية.

اللعبة لم تكن محلية بحتة، فقد تدخلت القوى الإقليمية (إيران، تركيا، دول الخليج) لاستغلال هذا التحول، كل وفق أجندته الخاصة. إيران سعت لتعزيز نفوذها عبر الأحزاب الشيعية، بينما عملت دول عربية على دعم ممثلي السنة، فيما استغل الأكراد الوضع لتعزيز حكمهم الذاتي. كل هذا التمويل الإقليمي والإعلام الموجه غذى الخطاب الطائفي وحوله من استثناء إلى قاعدة.

تشويه الخطاب السياسي: مفردات التقسيم

أصبحت مفردات “شيعي”، “سني”، “كردي” هي العملة السياسية السائدة، محل المصطلحات الوطنية والسياسية التقليدية. تحولت هذه المفردات من مصطلحات توصيفية إلى هويات سياسية مغلقة، تحمل في طياتها تاريخاً من المظالم المتبادلة والروايات المتضاربة.

وسائل الإعلام، بدلاً من أن تكون منصة للحوار الوطني، تحولت إلى منابر طائفية تذكي نار الفتنة. حتى قنوات المعارضة السابقة التي كانت تنتقد النظام السابق بوحدة وطنية، انقسمت إلى محطات طائفية تكرس الانقسام.

استنساخ النموذج اللبناني: تحذير لم يُستمع إليه

ما يحدث في العراق اليوم يشبه إلى حد كبير التجربة اللبنانية التي تحولت فيها الطائفية من واقع اجتماعي إلى نظام سياسي متجذر. النظام السياسي اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية أعطى شرعية دائمة للانقسامات وأضعف فكرة المواطنة. العراق يسير على نفس الدرب، حيث تحولت الكوتات الطائفية والإثنية من ترتيب انتقالي إلى نظام دائم يعيق بناء دولة المواطنة.

الثقافة السياسية المنقوصة وأشباه السياسيين

تفاقمت الأزمة بفعل نقص الثقافة السياسية لدى النخب الحاكمة وجماهيرها. فبعد عقود من الحكم الشمولي الذي منع الممارسة السياسية الطبيعية، وجد العراقيون أنفسهم أمام فجوة سياسية هائلة. ملأت هذه الفجوة أحزاب طائفية قادها في كثير من الأحيان أشخاص لا يملكون خبرة سياسية حقيقية، بل يمتلكون خطاباً عاطفياً طائفياً يجيد استثارة المشاعر الجماهيرية.

النتيجة كانت تسلط “أميين سياسيين” على هرم السلطة، يستخدمون الخطاب الطائفي كبديل عن البرامج السياسية والكفاءة الإدارية. وهذا ما يفسر استمرار الأزمات رغم تغير الوجوه والأحزاب الحاكمة.

التداعيات: دوامة الأزمات والتقسيم المرسوم

أدى هذا التحول في الخطاب السياسي إلى نتائج كارثية:

1. ضعف الدولة المركزية: تحولت الحكومة إلى ائتلافات هشة من الأحزاب الطائفية، كل منها يمارس المحاصصة في مؤسسات الدولة.
2. الفساد المؤسسي: أصبحت المؤسسات الدولة غنائم تُقسم بين المكونات، مما أدى إلى تفشي الفساد وانهيار الخدمات.
3. التدخل الخارجي: فتح النظام الطائفي الباب على مصراعيه للتدخلات الإقليمية والدولية.
4. تهديد الوحدة الوطنية: الخطاب الطائفي مزق النسيج الاجتماعي وهدد بتحويل العراق إلى كانتونات طائفية وإثنية.

الخطر الأكبر: التقسيم والتبعية

السيناريو الأسوأ الذي يحذر منه المراقبون هو تحول العراق إلى كيانات طائفية ضعيفة، يسهل على القوى الإقليمية والدولية السيطرة عليها. إسرائيل تريد عراقاً ضعيفاً لا يهدد أمنها، تركيا تريد التأثير في شمال العراق، إيران تريد عمقاً استراتيجياً، ودول الخليج تريد حاجزاً أمام النفوذ الإيراني. أما القوى الدولية فتريد عراقاً ضعيفاً يضمن تدفق النفط وفق شروطها.

هذا التقسيم المرسوم يحول العراق من دولة ذات سيادة إلى “بقرة حلوب” تسلب خيراتها الطبيعية، وتُستخدم ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

مخرج ممكن: إعادة بناء الخطاب السياسي

الخروج من هذه الأزمة يتطلب:

1. إصلاح النظام السياسي: الانتقال من نظام المحاصصة الطائفية إلى نظام يقوم على التمثيل الجغرافي والبرامج السياسية.
2. قانون انتخابي عادل: يقلل من تأثير الهويات الفرعية ويعزز التمثيل الوطني.
3. إعلام وطني: يدعم قيم المواطنة والحوار الوطني بدلاً من الخطاب الطائفي.
4. تعزيز الثقافة السياسية: عبر التعليم والتوعية بمخاطر الطائفية.
5. مواجهة التدخل الخارجي: بإعادة بناء الدولة القوية القادرة على حماية سيادتها.

خاتمة: العراق على مفترق طرق

العراق يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار في النموذج الطائفي الذي يقوده إلى التقسيم والتبعية، أو البدء بمشروع وطني حقيقي يعيد بناء الدولة على أساس المواطنة والتعددية السياسية السليمة. الخيار الأول يعني استمرار الأزمات وتهديد الوجود الوطني، بينما الخيار الثاني يحتاج إلى إرادة سياسية وشجاعة لتجاوز الموروث الطائفي والبدء بمصالحة وطنية حقيقية.

الوقت ما زال متاحاً لإنقاذ العراق من مصير التقسيم، لكن النافذة تضيق يوماً بعد يوم. إنقاذ البلاد يتطلب تحولاً جذرياً في الخطاب السياسي من الطائفي إلى الوطني، ومن الاحتراب الداخلي إلى بناء مشروع دولة المواطنة المتساوية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى