
#هوى #الرماد: #في #وحدة #الجرح #والعشق
عند أ. قاسم العابدي
دراسة نقديّة سيميائيّة تأويليّة
#النص:
نبضي لواحتكَ الخضراءِ ينجذبُ
هبني صليباً عنِ الفانينَ
أحتجبُ
هبني انتظاراتِ أمٍّ غابَ واحدُها
برغمِ عاصفةٍ لليأسِ
ترتقبُ
تُزمّلُ الأفْقَ أنظاراً وتخمِشُهُ
وتنزفُ الشّوقَ حتّى يُكتَمَ
العتبُ
في لهفَتي وطنٌ تمتازُ أضلعُهُ
بأنّ منها رثاءً تنسُجُ
السّحبُ
مستذئباتٌ هيَ الأيّامُ تنهشُنا
نذوي ولكنْ لآلِ الصّبرِ
ننتسبُ
بنا تفاصيلُ مشكاةٍ يُقدّسُها
ليلُ الغيابِ وفينا
تحتمي التُّرَبُ
عرّابُ آهاتِنا نايٌ وخمرتُنا
جرحٌ وأشجانُنا غنّى لها
الرَّطَبُ
فوضى استعاراتِ هذا العمرِ تدفعُنا
دهراً نُقبّلُ مَسرانا
ونكتئبُ
نُحوّلُ الجرحَ حبراً كي نُطرّزَهُ
عباءة البوحِ والأشجانِ
تلتهبُ
ماذا نؤجّلُ من ألوانِ رحلتِنا
أيّامُنا ضفّةٌ للموتِ
تحتطبُ
حفَّ القنوطُ حياةَ الماءِ مندهشاً
فكادَ يسلبُ ما من صدرهِ
سَلبوا
يا موطنَ المنعِ ماذا بعدُ تمنحُنا
ونحنُ عنكَ من الأوجاعِ
ننسحبُ
أتفتحُ القلبَ للآتينَ تغمرُهمْ
دفئاً وتصفعُنا في حبّكَ
النُّخَبُ
دحرجْ تضاريسَنا واحصُدْ مناقِبَها
ومزّقِ الجلدَ منّا كلُّنا
عَطَبُ
نحنُ الذينَ تفحّمنا وأنبتَنا
خذلانُ أسلافِنا فاحتارتِ
الحِقَبُ
حتّى تقمّصَنا طينٌ وفهرَسَنا
على الجُذُوعِ وفي
أهدابِنَا الكَذِبُ
قاسم العابدي
#مدخلٌ #منهجيٌّ #ورؤيويّ:
تنهض هذه القراءة على أفقٍ نقديٍّ حداثويٍّ يستند إلى مقاربةٍ سيميائيّةٍ تأويليّةٍ ذات طابعٍ إبستمولوجيٍّ ذرائعيّ تُعنى بتتبّع البُنى الدالّة في النص ورصد العلاقات بين العلامات واستكشاف الأنساق الرمزيّة التي تُنتج المعنى عبر شبكةٍ من التوترات الداخليّة فالنصّ الحديث لم يعد مجرّد بنيةٍ لغويّةٍ مغلقة
بل أصبح فضاءً دلاليّاً مفتوحاً تتجاور فيه الأسطورة والتاريخ والذات والجماعة والجرح والرجاء
ضمن حركةٍ توليديّةٍ تتجاوز المباشرة إلى عمق الإشارة
وفي هذا السياق تبرز أهميّة العنونة في الدراسات الحديثة بوصفها عتبةً أولى وبوابةً قرائيّةً تؤسّس أفق التلقّي وتُحدّد زاوية النظر غير أنّ الشاعر هنا لم يعتمد عنواناً صريحاً فبقي النصّ معلّقاً في فضاءٍ مفتوح
كأنّه يراهن على انخراط المتلقي في صناعة العتبة بنفسه
وهذا الغياب لا يُعدّ نقصاً إنما يُمثّل خياراً جماليّاً ينسجم مع روح القصيدة القائمة على التوتّر والانفلات من الإطار الجاهز
فهذه القراءة إذاً ترتكز على قناعةٍ أساسها أنّ النصّ الشعريّ الحديث لم يعد مساحةَ تعبيرٍ مباشر عن انفعالٍ فردي
إنما أصبح بنيةً دلاليّةً متشابكة تتحرّك فيها العلامات ضمن شبكةٍ من العلاقات المتوتّرة التي تُنتج المعنى عبر التفاعل أبعد عن التصريح
من هنا فإن مقاربة قصيدة
أ. قاسم العابدي لا تنطلق من سؤال:
#ماذا يقول النص؟ بل من سؤال أعمق:
#كيف يبني النصُّ معناه؟ وكيف تتواشج العلامات داخله لتشكّل رؤيةً تتجاوز حدود القول المباشر؟
وتأتي أهمية هذه القراءة في تتبّعها لحركة الرموز داخل النص ورصد انتقالها من مستوى العاطفة الفرديّة إلى مستوى الوجع الجمعي
#أولاً : النبض والواحة
وتأسيس فضاء الانجذاب
يفتتح الشاعر نصّه بقوله:
(نبضي لواحتكَ الخضراءِ ينجذبُ
هبني صليباً عن الفانين أحتجبُ)
يتأسّس النصّ على حركيّة جذبٍ وانجذاب بحيث يتحوّل (النبض) إلى علامةٍ على الحياة الفرديّة بينما تمثّل (الواحة الخضراء) رمزاً للخلاص الجمعيّ
هذا التوازي يُنتج ثنائيّة الداخل/الخارج الذات//المأمول/
ويُدخِل المتلقي في صراعٍ بين الفناء والحماية
والصليب هنا لا يُقرأ قراءةً دينيّةً مباشرة وطقسية إنما كعلامةً للتضحية والعزلة والاصطفاء إنّه درعٌ ورمزُ على حد سواء فيتحوّل الاحتجاب إلى فعل مقاومة وليس كانسحاب
وأيضاً لا يظهر النبض باعتباره مجرّد دلالةٍ على الحياة البيولوجيّة لكنه يتحوّل إلى مركز الوعي الشعوريّ
النبض هو الذات في أقصى درجات صدقها
والواحة الخضراء ليست مكاناً جغرافيّاً فقط
إنما رمزٌ للخلاص للسكينة لملاذٍ روحيّ ينجذب إليه الكائن المنهك
فالانجذاب حركة
والصليب طلب حماية وكذلك الاحتجاب هو فعل عزلة
هذه الأفعال الثلاثة تؤسّس #منذ #البداية حالة توتّر: انجذاب نحو الحياة ووعيٌ بالفناء ورغبة في الاحتماء
ما يجعل العلاقة بين الهوى والألم علاقة تأسيسيّة في النص وليست طارئة
#ثانياً: الأمّ والانتظار
– الزمن بوصفه امتحاناً
/ هبني انتظاراتِ أمٍّ غابَ واحدُها /
وهنا يتجلّى البعد الميثيولوجيّ في صورة الأمّ المنتظرة القريبة من نماذج أسطوريّةٍ للخصب والصبر حيث يتماهى الجرح الفرديّ مع جرح الجماعة
برغمِ عاصفةٍ لليأسِ ترتقبُ
الانتظار ليس حالةً نفسيّة عابرة لكنها زمنٌ ممتدٌّ قائمٌ بذاته
#الأمّ هنا رمزٌ مزدوج:
هي الأمّ الواقعيّة المفجوعة وهي الأرض التي تنتظر أبناءها
وهي الوطن الذي لا يكفّ عن الترقّب رغم العواصف
الفعل /ترتقب/ يشي بوعيٍ يقظ بعيداً عن الاستسلام والعاصفة ليست ظرفاً عابراً بل محيطاً ضاغطاً
وهنا حرفية الشاعر تتجلى إذ تتكشّف جدليّة #الصبر #والقلق: فالانتظار فعل صبر لكنّه أيضاً فعل وجعٍ مستمر
#ثالثاً : الوطن جسداً – تشخيص المكان
/ في لهفتي وطنٌ تمتاز أضلعُه
بأنّ منها رثاءً تنسجُ السحبُ/
نرى أن الوطن يتحوّل إلى جسدٍ ذي أضلاع أي إلى كيانٍ عضويٍّ حيّ
السحب تنسج من أضلاعه رثاءً
فيتحوّل الفضاء العلويّ إلى صدىً لألم الأرض
#هنا #تتكامل العلامات:
الأضلاع (الجسد) السحب (السماء) الرثاء (الصوت)
إنّها شبكةٌ دلاليّةٌ تُؤسّس وحدةً عضويّةً بين العناصر بما يمنح النصّ تماسُكه الداخليّ الواضح
فهذا التشخيص لا يهدف إلى تجميل الصورة لكن إلى إكساب الوطن حساسيّة الكائن الحيّ
فالأضلاع توحي بالحماية والاحتواء
لكنّها هنا مصدر رثاء
والسحب التي تنسج الرثاء تمنح السماء وظيفة الحداد فيتّسع المشهد هنا بقوة يعتمدها الناص المالك لمجازه العالي بسلاسة
إنّه بناءٌ متكامل تتساند فيه العناصر لتصنع جوّاً حزيناً مشبعاً بالحنين
#رابعاً : الأيام الذئبيّة – الزمن المفترس
/ مستذئباتٌ هي الأيّام تنهشُنا
نذوي ولكن لآل الصبر ننتسبُ/
نلحظ من خلال السياق النصي بأن الزمن لا يمرّ
إنما ينهش
فالاستعارة هنا حادّة تُخرج الأيام من حيادها وتمنحها صفات المفترس
فالأيّام تتحوّل إلى كائناتٍ مفترسة في استعارةٍ تُحمّل الزمن وظيفة العنف
غير أنّ الشاعر يقابل هذا الافتراس بالانتماء إلى (آل الصبر) وكأنّ الصبر هوية وسلالةٌ تُورَّث
في هذا التكوين يتجلّى البعد الذرائعيّ حيث يتحوّل الألم إلى أداة بناء هويّة
في هذا الموضع يتجلّى وعيٌ جماعيّ إذ ينتقل الخطاب من المفرد إلى الجمع
من / نبضي/ إلى /ننتسب/وهذا يحسب للشاعر
فلقد كان الألم فرديّ في بدايته لكنه يتحوّل إلى قدرٍ جماعي
#خامساً : الجرح والكتابة – تحويل الألم إلى أثر
/ نحوّل الجرح حبراً كي نطرّزه
عباءة البوح والأشجان تلتهبُ/
إن هذه الصورة تمثّل ذروة التحوّل في النص
فالجرح الذي كان ألماً يصبح حبراً أي أداة كتابة إنّه انتقال من المعاناة إلى الإبداع
ومن النزف إلى النقش
إن فعل / نطرّزه/ هنا جاء فعل جماليّ يدلّ على عنايةٍ بالصوغ أبعد مايكون دلالة على فوضى الانفعال
وهنا يكشف النص عن وعيه بذاته إذ يعترف ضمنيّاً بأنّ الشعر هو عملية تحويل الألم إلى صياغة
#سادساً: المشكاة والليل والاحتضان الرمزيّ
/ بنا تفاصيلُ مشكاةٍ يُقدّسُها
ليلُ الغيابِ وفينا تحتمي التُّرَبُ/
إن المشكاة علامة نورٍ داخليّ لكنها تُقدَّس في ليل الغياب أي في زمن الانطفاء
فهنا يتجلّى توتّر النو/الظلمة/ الحضور/الغياب/
أمّا عن صورة :
/ تحتمي الترب/
فهي صورةٌ تعكس انقلاب العلاقة بين الإنسان والأرض فبدل أن يحتمي الإنسان بالتربة تحتمي التربة بالإنسان إنّه قلبٌ للمعادلة يرفع من قيمة الكينونة الإنسانيّة
#سابعاً : الاستعارة بوصفها قدراً كما في :
/ فوضى استعاراتِ هذا العمرِ تدفعُنا
دهراً نُقبّلُ مسرانا ونكتئبُ/
حين نتمعن هنا نجد بأن الاستعارة لم تكن أداةً إنما هي قدراً وجوديّاً
العمر نفسه يتحوّل إلى فوضى رمزيّة
ما يعكس وعياً حداثويّاً باللغة بوصفها حقلاً للتشظّي التقبيل والاكتئاب يتجاوران ليشكّلا ثنائيّة حبّ/حزن تُنتج عنه نبرةً تراجيديّة
#ثامناً : الجماعة والخذلان – التاريخ في الوعي:
/ نحن الذين تفحّمنا وأنبتَنا
خذلانُ أسلافِنا فاحتارت الحقبُ/
نلحظ أن التفحّم هو صورة احتراق
لكنّ مفردة / أنبتنا/ تقلب الصورة إلى فعل حياة
فالخذلان يتحوّل إلى بذرة إنبات في مفارقة تكشف طاقةً كامنة في الألم
والحقب تحتار أي أنّ الزمن نفسه يقف مشدوهاً أمام قدرة الجماعة على النهوض رغم الإرث المثقل
#تاسعاً : الطين وفهرسة الكذب –
في النهاية المفتوحة كما يتمظهر ذلك هنا:
/ حتى تقمّصنا طينٌ وفهرسنا
على الجذوع وفي أهدابنا الكذبُ/
إن الطين يحيل إلى الأصل إلى البدء الأول
غير أنّ / فهرسنا/ توحي بالتصنيف والتشييء
كأنّ الكائن تحوّل إلى رقمٍ في سجلّ الكذب في الأهداب يشير إلى خللٍ في الرؤية
إلى تشوّه الإدراك
ونلامس النهاية وبأنها لا تمنح خلاصاً صريحاً
لكنها تترك أثرها المفتوح يظلّ فيه السؤال معلّقاً
ولو عكفنا إلى وحدة النص وبنيته العضويّة فإننا نلاحظ
أن القصيدة تتحرّك في مسارٍ دائري:
من الواحة إلى الطين
بين البداية والنهاية
تتعاقب صور الانتظار الذئبيّة/ الجرح/ الخذلان/ والكتابة/ العلامات لا تتنافر/ بل تتكامل لتشكّل نسيجاً واحداً
واللغة بحد ذاتها كانت متماسكة والصور متوالدة والإيقاع يحافظ على نبرةٍ حزينةٍ ثابتة دون انكسار فجائيّ
قصيدة الشاعر قاسم العابدي تُجسّد تجربةً شعريّةً واعية تُحسن توظيف الرمز
وتبني عالماً داخليّاً متشابك الإشارات
النصّ يتميّز بوحدةٍ عضويّةٍ واضحة حيث تتضافر الصور لتُنتج أفقها الدلاليّ الغنيّ مع لغة متينة مشحونة بطاقةٍ وجدانيّة وإيقاع يُعزّز الجوّ التراجيديّ الذي يلفّ القصيدة
إنّها كتابةٌ تنبع من جرحٍ حيّ وتُحيل الألم إلى صياغةٍ جماليّةٍ رفيعة
بما يمنح النصّ قيمته في سياق الشعر العربيّ الحديث الجوّ العامّ للقصيدة مزيجٌ من الحزن النبيل والصبر المتجذّر والاحتجاج الصامت
ما يجعلها نصّاً قابلاً لإعادة القراءة ومفتوحاً على تأويلاتٍ متعدّدة
بهذا تتجلّى قوّة المبدع في قدرته على تحويل المعاناة إلى بناءٍ لغويٍّ متماسك
يُراهن على المتلقي الواعي ويمنحه نصّاً جديراً بالتأمّل الطويل
بورك القلم
#مرشدة #جاويش