
قصَّة للأطفال:
بدأ العام الدراسي، وأشرقت الشمس بأشعتها الذهبية معلنة بداية فصل دراسي جديد. الأطفال كانوا يمرحون ويتحدَّثون عن المدرسة والأصدقاء الجدد، ولكن “رودي” كان يشعر بشيء مختلف. بينما كان الجميع متحمِّساً للذهاب إلى المدرسة، كان رودي حزيناً جداً. كان لا يعرف كيف سيقضي ساعات طويلة بعيداً عن أمِّه، التي كانت دائماً بجانبه وترافقه في كلِّ لحظة.
شعرت الأم بمشاعر رودي، وعرفت أنَّ قلقه قد يؤثر على دراسته، فقرَّرت أن تفعل شيئاً لمساعدته. ففكَّرت في حلٍّ بسيط ولكنَّه مميَّز. تحدَّثت مع شقيقتها وقالت لها: “رودي يحتاج إلى مساعدة في هذه الفترة، لو سمحتِ أن تأتي مع أولادك وتمضي عندنا لبعض الأيام، ربما يساعده ذلك.” وافقت الأخت وقرَّرت أن تأتي مع أطفالها لزيارة رودي.
في اليوم التالي، وصل أطفال الخالة، وبدأوا يلعبون مع “رودي” في غرفته التي كانت مليئة بالألعاب الممتعة. كان رودي مشغولاً معهم، يضحك ويلعب، لكنَّه في كلِّ لحظة كان يشعر بشيء في قلبه.
بينما كانت الأمُّ قد خرجت لإحضار بعض الأغراض من السوق، لم يلاحظ رودي مغادرتها. مرَّ الوقت بسرعة، ولكنه بدأ يشعر بالحزن لأنَّ أمَّه لم تكن موجودة بجواره. فذهب إلى الصالة، ولكن لم يجدها، فبدأ في البحث عن أمِّه في كلِّ أرجاء البيت، لكن لم يجدها.
سأل خالته: “أين أمي؟” فأجابته: “أمك ذهبت لتشتري بعض الأشياء، وسوف تعود قريباً”. لكن الإجابة لم تُهدئ قلب رودي، بل بدأت دموعه تنهمر بغزارة. بدأ يبكي بشدة، وكان قلبه مليئاً بالحزن والألم.
في تلك اللحظة، اقترب منه ابن خالته، الذي كان أكبر منه بقليل، وقال له بحنان: “لماذا تبكي؟ خالتي ستعود قريباً، لقد ذهبت فقط لتحضر لنا الطعام اللذيذ والحلوى”.
توقَّف “رودي” عن البكاء قليلاً، لكن قلبه كان لايزال مشغولاً: “لكنني لا أريد أن تذهب أمي، كيف سأعيش من دونها؟”
ابتسم ابن خالته وقال له: “رودي أنت أصبحت كبيراً الآن، وفي الغد ستذهب إلى المدرسة. أتعلم ماذا؟ إذا أردت أن تصبح طبيباً كبيراً، أو إذا أردت أن تشتري سيارة كبيرة مثلما كنت تقول، يجب أن تذهب إلى المدرسة وتتعلَّم. كيف ستحقِّق أحلامك إذا لم تدرس؟”
نظر رودي إلى ابن خالته بعينيه الواسعتين، وكان يفكِّر في كلامه. بدأ يشعر بشيء غريب في قلبه، وكأنَّ قطعة من اللغز بدأت تنكشف أمامه. في تلك اللحظة، تذكَّر ما كان يقوله دائماً: “أريد أن أشتري لأمِّي كلَّ ما تحب”. ولكن كيف يمكنه فعل ذلك إذا لم يذهب إلى المدرسة؟
جلس رودي يُفكِّر للحظة، ثم قال: “أنا أحبُّ ماما كثيراً ولن أبتعد عنها، لكنني سأتحمل الساعات التي سأكون فيها بعيداً عنها لأذهب إلى المدرسة وأتعلَّم. سأدرس كثيراً وأجتهد حتى أجعل ماما فخورة بي”.
اقترب “رودي” من ابن خالته وضمَّه وقال له: “شكراً لأنك جعلتني أفهم أنه لا يمكنني أن أحقِّقَ أيَّ شيء دون العلم”.
في تلك اللحظة، رنَّ جرس الباب فجأة. ركض رفعت نحو الباب وهو يشعر بالسعادة، وسأل بلهفة: “من في الخارج؟” عندما عرف أنَّ والدته خلف الباب فتح الباب بسرعة، وجد والدته تقف هناك بابتسامة واسعة على وجهها. فتح رودي ذراعيه واحتضن والدته بشدَّة وقال: “ماما، أريد منك أن تحضري لي أغراض المدرسة، فأنا أحبُّك كثيراً وأحب المدرسة. أريد أن أذهب وأتعلَّم!”
كانت والدته مندهشة من التغيير السريع الذي حدث في قلب “رودي”. دخلت إلى البيت ورأت شقيقتها تبتسم وتقول لها: “انظري، نحن الكبار لم نستطع تغيير رأيه، ولكن ابني الصغير هو من غيَّر قلبه وجعله يفهم أنَّ العلم هو الطريق لتحقيق كلِّ أحلامه”.
ابتسمت الأمُّ وقالت: “أنا فخورة بك يا رودي ، وفخور بابن أختي وأنا واثقة بأنه سوف تكبروا وتصبحوا في مكانٍ عالٍ.
وهكذا، بدأ رودي في رحلته الدراسيَّة وهو يحمل في قلبه حبَّاً كبيراً لأمِّه، وعزماً على أن يكون شخصاً أفضل بفضل العلم. وعرف في تلك اللحظة أنَّ البعد عن أمِّه ليس إلا مرحلة صغيرة في طريقه لتحقيق أحلامه.
القلق الذي كان يشعر به “رودي” تحوَّل إلى قوَّة وإصرار. ومنذ ذلك اليوم، وقد حمل في قلبه وعداً: “سأتعلَّم لأجعل أمِّي فخورة بي”.
بقلم الكاتبة: ريم رفعت بطال