ميخائيل عوض يكتب : بين الاستعراض السياسي واعادة هندسة المسرح الاقليمي .. مجلس السلام لتمويل الحرب !!

بين الاستعراض السياسي وإعادة هندسة المسرح الإقليمي .. مجلس السلام لتمويل الحرب !!
ميخائيل عوض / لبنان
ما يُسمّى “مجلس السلام” الذي أطلقه ترامب ليس إطارًا لإطفاء الحروب، بل أداة لإعادة تموضع استراتيجي يمهّد لجولة صدام كبرى.
التمييز هنا بين “التسمية” و”الوظيفة” هو لبّ القراءة السلام كعنوان، والحرب كغرض.
*أولًا: المجلس كأداة شرعنة موازية للنظام الدولي… حضره الصيصان وغاب عنه الفاعلون*
فمحاولة ترامب الالتفاف على منظومة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن ليكون البديل عنها .
البيان التأسيس الذي قام عليه المجلس في محاولة يائسة للإبقاء على الوجود لنظام عالمي بلغ شيخوخته واكتملت أسباب موته،التحليل هنا يستند إلى ثلاثة عناصر ظهرت في اجتماع المجلس:
– *غياب الثقل الدولي النوعي:* عدم حضور قوى كبرى (الصين، روسيا، الهند، الاتحاد الأوروبي…) يفقد المجلس “الكتلة الحرجة” اللازمة لصناعة نظام بديل.
– *طابع شخصاني:* المجلس يُقرأ كمنصة مرتبطة بإرادة ترامب أكثر من كونه مؤسسة دولية مستقلة.
– *شرعية مشتقة لا أصلية:* أي شرعية محتملة ستكون مستمدة من النفوذ الأمريكي لا من إجماع دولي.
– *حضره الصيصان:* حضور دول تابعة للقرار الأمريكي لا وزن نوعي لها وخاضعة للقرار الأمريكي.
والنتيجة المجلس لا يؤسس نظامًا عالميًا ثالثًا، بل يشكّل “تحالف إرادة” محدودًا وظيفته تكتيكية في ما يعيدنا إلى مثل مجلس “حضره جحا وولاد خالته”.
*ثانيًا: غزة كعقدة الاختبار: من وقف النار إلى إعادة هندسة السلطة*
في قلب القراءة يأتي ملف غزة بوصفه مقياس الصدقية، غزة التي لم تحضر في مجلس يفترض انه أسس لأجلها.
إن وقف إطلاق النار يفترض انسحابًا إسرائيليًا أولًا، ثم
نشر قوة أمن/حفظ سلام لاحقًا،
وتشكيل إدارة انتقالية مدنية.
لكن ما حصل هو غياب الهيكلية التنفيذية، غموض التفويض والمهام،تضارب بين التعهدات الإعلامية والوقائع الميدانية.
بالتالي، “قوة السلام” تتحول — في هذا التصور — إلى أداة ضبط أمني بشروط إسرائيلية، لا قوة حماية أو سلام.
*ثالثًا: المال كأداة استراتيجية التمويل بين كذبة الإعمار وحقيقة التموضع العسكري*
الرقم المتداول (18 مليار دولار) يُقرأ لا كحزمة إعمار، بل كـ”كتلة تمويل وظيفية”.
الفرضية تقوم على أن توجيه هذه الأموال سيكون من أجل إقامة
بنية تحتية عسكرية متقدمة،
مجمعات لوجستية وإدارية طويلة الأمد، قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة لإعادة تموضع القيادة العملياتية في شرق المتوسط تمهيدا للسيطرة على ساحل الشام.
هذه القراءة تعيد تعريف عنوان “الإعمار” بوصفه غطاءً لإعادة تمركز عسكري ـ استراتيجي على ساحل الشام، أي نقل ثقل العمليات من إدارة عن بُعد إلى حضور مادي دائم.
*رابعًا: مهلة إيران: سياسة الحافة القصوى… المجلس لتمويل الحرب على إيران*
إعلان ترامب مهلة 10–15 يومًا لإيران يُفسَّر كجزء من استراتيجية “الضغط الأقصى” بصيغة محدثة. والمعادلة إن ما تم ترويجه عن إنجازات الحرب السابقة لم تحقق أي من أهدافها والعودة للتهديد تعني أن ملف الردع لم يُغلق.
كما أن التصعيد الكلامي قد يكون تمهيدًا لحدث عسكري محدود عالي التأثير.
لكن في المقابل، ميزان القوى لا يبدو أحاديًا؛ إذ يشير إلى مواقف روسية وصينية وأوروبية أكثر تحفّظًا، ما يجعل أي خطوة كبرى محفوفة بمخاطر توسّع غير محسوب.
*خامسًا: المجلس ولد ميتا” فلماذا عقد إذن؟*
التحليل يربط بين توقيت المجلس وبين ضغوط اقتصادية أمريكية وإسرائيلية، واستنزاف طويل في غزة، بالإضافة إلى
الحاجة السياسية لإعادة تعبئة السردية، والأهم أن ترامب الذي أعلن انسحابه من البادية أعاد تموضعه في مطار المزة والسين والT4 في سوريا وفي قاعدة موفق السلطي في الأردن يريد غرفة عمليات للقيادة العسكرية وهذا ما يعتقد أن غزة ستوفره.
بمعنى آخر المجلس يهدف لاحتلال غزة وفرض الاستيطان فيها وتحويلها إلى قاعدة عسكرية متقدمة لتدمير المنطقة.
*سادسًا: نتنياهو يخضع ترامب ويفرض شروطه:*
في اجتماع مجلس بدأ واضحا” أن هناك تعقيدات كبيرة في إرسال قوات دولية إلى غزة وتحديد مهمتها، خاصة مع غياب الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي ومصر والسعودية فشل للمجلس في اجتماعه الأول، ولكن النقطة المهمة التي أشار إليها التحليل أن نتنياهو استطاع فرض شروطه برفض أي وجود تركي أو قطري في القوات الدولية، والأخطر أن المجلس الذي لم يأتي على ذكر معاناة غزة وما هو حاصل فيها من إبادة جماعية موصوفة هدفه تبرئة إسرائيل من كل جرائمها بل والتأكيد على وجودها مشاركا في مجلس السلام الترامبي.
تمخض الجبل فولد فأرا
وفق القراءة المعروضة في الحلقة المجلس لا يمتلك شروط تأسيس نظام عالمي بديل بل
وظيفته الأقرب تجميع أدوات هي في حقيقتها “صيصان” تأتمر بالقرار الأمريكي، تمويل الحرب.
الحرب لم تُحسم، والحديث عن جولة جديدة يعني أن أهداف الجولة السابقة لم تتحقق.
المنطقة تقف على عتبة مرحلة فاصلة قد تعيد رسم موازين القوى.
رغم حدّة الطرح، باب الأمل مفتوحًا بتمنّي تجنّب الحرب، وهو ما يضيف بُعدًا إنسانيًا لقراءة استراتيجية صدامية.
🖋 ميخائيل عوض