غير مصنف

مارين أنجيل لازاروف.. ورؤاه الحداثية المُعَتَّقة في خوابي الحب والحرية.. بقلم: نجاح الدروبي

قلمه مُلوَّنٌ بالحبِّ والشفافيَّة.. سطوره غائمة مما يجري.. الأحداث السوداء أمامه تتداعى كرؤوس مفصولة عارية من الصدق والدفء.. بينما تُغادر مسرح الحياة شخصيَّاتٌ مُزيَّفة بلا ظل؛ وتبقى آراؤه تدمغ اسمه كأديب ومفكِّر تاريخي نادر ومتميِّز يُحقِّقُ ذاته أدبيَّاً وإنسانيَّاً قبل أن يُحقِّقها سياسياً.
إنَّه الشاعر البلغاري مارين أنجيل لازاروف صاحب الحضور الروحي، الذي يمنح القصيدة عمقاً دينياً وفلسفياً نادراً، عاكساً تجارب إنسانية موحية عبر مشاعر الحب والقلق والحزن والنقد الساخر والتمرُّد على الواقع أحياناً أخرى.
و”مارين أنجيل لازاروف” المولود في “24 نيسان 1961″، له مكانة خاصة في الأدب البلغاري المعاصر كشاعر يجمع بين التجربة التاريخية والتأمُّل الميتافيزيقي، إذ ألَّف أكثر من ألف قصيدة ومزج صوته الفريد بين الحس الوطني والتأمُّل اللاهوتي والتحليل الذاتي العميق للحالة الإنسانية في العصر الحديث.
رأى “لازاروف” الزمن جرحاً مفتوحاً، ورغم ذلك نبتَ الأمل في نصوصه من لُجَّة الألم، فشعره أشبه بسجلٍ روحيٍّ لأواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، عندما تشابكت أزمات التاريخ البلغاري مع مصير إنسانٍ يبحث عن معنى في عالم مُدمَّر أخلاقياً وروحياً.. لأنَّ بلغاريا الوطن تعرَّضت للاغتصاب من قبل الشيوعيين.. تماماً كما تتعرَّض المرأة للانتهاك والاعتداء، لذا التقى الشاعر مارين أنجيل لازاروف في تصويره مع كاريكاتير الفنان العالمي ناجي العلي، عندما رسم أمساخ بشر، مُجسِّداً الشعب المسحوق في الأسفل؛ والأشرار في الأعلى يجلسون مُتنعِّمين بتسلُّطهم واضطهادهم للعامة.
ونسمعه يدعو للتأمُّل والتفكير العميق في قصيدته مُنشداً:
-“كمْ منَ الأشياء الجميلة لا أُلاحظُها
في حياتي اليوميَّة
كمْ منَ الأفكارِ المشكوكِ فيها تُعذِّبُ
جبهتي المجعَّدة
كم من الأفكار التي لا تمرُّ تتأرجحُ
في انتظار، مع أعمدةِ السفينةِ التي
تُبحرُ إلى لا مكان، في منتصف
النهار”.
وكثيراً ما يُحاكمه ضميره اليقظ ويُؤنِّبه.. لا بل يُحاور هو نفسه نتيجة صلته القوية بالسماء المقدَّسة التي منحته قلباً إنسانياً رهيفاً يجعله يسحق ذاته الشفَّافة من أجل شعبه الذي يرمز له بالإنسانيَّة في كلِّ مكان.. نثر نصاً شعرياً بخيوط من المونولوج الداخلي المقتطع من وجدانه الصدوق منشداً:
-“أنا أبتعد عن السعادة لكي أبقى على
قيدِ الحياة
أُدمِّرُ نفسي في كلِّ قصيدة من
قصائدي لكي لا أنسى ما هي
الأبديَّة”.
وكثيراً ما جسَّد القلق جوهر أعماله الناتج عن إدراكٍ عميقٍ نابعٍ من تجربة الواقع الشيوعي وما بعده؛ ومن حكمةٍ وتأمُّلٍ ميتافيزيقي في مصير الإنسان يتخلَّل كلَّ بيتٍ شعريٍّ، مانحاً شعرَهُ شحنةً وجوديةً استثثنائية، من خلال التباين بين الجهات المعنيَّة “الشر الفاعل”؛ ونقيضها “النور السلبي – أفراد المجتمع”، حيث يبحث بلهفة عن جذور روح وطنيَّة صمدت في وجه القمع والتشويه الإيديولوجي، فيما تدلُّ وطنيَّته المتَّقدة على روحانيَّته ودفء وجدانه فهو يحبُّ وطنه بلغاريا مثلما يحبُّ الإنسانيَّة في كلِّ بقاع الأرض ويسعى للتغيير.. أنشد قائلاً:
-“أخلطُ، بغضبِ الأبلهِ، عصيدةَ طفلي الصغير لكي يعيشَ أطولَ منِّي.
أمدُّ أصابعي وأُفَكِّرُ في متعةِ العزف، كالعبقري، على التشيلو المتصدِّع..
أدفعُ جانباً حجرَ القبرِ المُشبعِ بالحقدِ، والذي تفوحُ منه رائحةُ البكاءِ الصادقِ،
وأبتسمُ!
أبتسمُ للنهر الذي جرَّني إلى رصيفِك، مثل جذع شجرة قطعَتْهُ أصواتٌ طبيعيَّةٌ..
أبتسمُ للشلالِ الذي جفَّ في انتظارِ قبلتِنَا الأخيرة..
أبتسمُ للبردِ الذي لجأت منه تحت تُنورتك، لأرى كيف تبتسمُ لي قطراتُ المطر المتبخِّرة الخاطئة..
جلب الصيف، إلى جانب شغف السياح الكاذب، عاصفة لوسيل.
أقومُ من سريرِك المبعثر برفقٍ،
وأقولُ لنفسي: “أيُّها العملاقُ العاقلُ، قُمْ بإخمادِ رغبتك في أن تكونَ قزماً لا يعرفُ معنى أن تكونَ جميلاً ومرغوباً. انظرْ إلى الرسائلَ القديمةِ التي تفوحُ منها رائحةُ السعادةِ، وحاولْ أن تصنعَ منها أكثرَ الأظرف تمزُّقاً لتُرسلَ فيها رغبتَك في التغيير”.
وتتابعُ أصالةُ القصيدةِ تحليقَها في ربوع رؤى الشاعر كنهرٍ مُتدفِّق، فتنهض المشاهد المدنيَّة الحديثة، وكأنها تعبير عن دلالاتٍ ساطعةٍ على غنى المادة الشعرية بالعطاء الوجداني، تاركةً بصماتٍ مُؤثِّرةً في سياق تطور الأدب في اللغة، إذ كان على “مارين” أن يقاوم الاضطهاد والظلم ويُبدع لأجل الوطن والحنين وحتى الألم والأنين، فنثر في حضرة الإنسانية عنواناً يتلألأ من نبع ذاكرته أجمل الأشعار، وكان الشاعر الذي لا يتعب سفينه في طلب المحال، جامعاً عناصر الطبيعة الخلَّابة المُؤَنْسَنَة داخل نصوصه.. مثل: “تُبحرُ، الشَّلال، البرد، قطرات المطر المُتَبخِّرة، الصيف”، مع المشاهد المُعاشة “كحياتي اليومية، تتأرجح، عصيدة طفلي”، رابطاً الطبيعة بالمشاعر الإنسانيَّة عبر مفردات تعبيريَّة صادقة.. كذلك سعى إلى توثيق تاريخ وثقافة بلاده وتعزيز الوعي الوطني لدى الناس، وعرف كيف يُوظِّف عاطفته والعمق الداخلي لمشاعره، ومن ثمَّ يُحافظ في الوقت نفسه على شعرٍ في غاية التكثيف واللا مباشرة إلى جانب البساطة والزخم في آنٍ معاً، ما ساهم في حركة تجديدٍ واسعة وحمل موضوعاتٍ معاصرةً إلى جانب الموضوعات الكلاسيكيَّة الثورية، فارتفع خطاب التحرُّر والتغيير أكثر ممتدَّاً إلى شعره من خلال توجُّعه من حمى التلوّث الأخلاقي والقيمي.. ولعلَّ أبرز خطاب حول ذلك إنشاده:
-“يُمكنُ للعشَّاقِ شراء الحبِّ،
إذا كانَ لديك المال، يُمكنُك
الحصولَ على أيِّ نزوة!
يُمكنُ للمطلقاتِ شراءَ الحريَّةِ،
المغني يدفعُ ثمنَ الغار
مطاردة الشهرة عديمة الموهبة…
الموهبةُ لا قيمةَ لها اليوم..
هناك ابتسامات الشر مفترسة
خلف كتفِ شخصٍ ما.. المخلص
هناك، يبيعونَ الغطرسة..
الرجال جيدون أيضاً..
لقد دفعوا بنساتٍ تافهةً
من أجل ثقةِ النساء
هناك ضوضاءٌ وضوضاء…
هناك، يتمُّ شراء الحقوق
الدبلومات.. والسَّيَّارات..
إنَّهم يتصارعونَ وراءَ النفاق،
وفقط “من أجلِ الضمير”…”.
كما يدعو شعره إلى تركيز لغوي ودراية ومعرفة باللغات نتيجة تأثُّره بالعوامل التاريخية، والهواجس الذاتيَّة، وفلسفة الذات والظواهر الاجتماعية من أجل تكوين عالم متماثل في السمات والمجالات كافَّةً.. وهو يرفد الأدب بتفاعلات فكريَّة وحضاريَّة غير تقليدية، لأنَّ مفرداته وكتبه ذات دلالة على مشاعر الوحدة والعزلة التي يشعر بها أغلب الوقت، حين يجد نفسه كإنسان شبه عارٍ في مواجهة التَّسلُّط ليفتح ذاته على مصراعيها، فتدخل الوحدة بقدمين فظَّتين إلى بيته دون أن تطلب إذناً.. تدلف إلى أعماق النفس البشرية بطاقة كامنة غير مألوفة؛ لكنَّ اللهجة الناقدة المتهكِّمة تبقى صامدة بامتياز:
-“الوحدةُ تُحوِّلُك إلى
مخلوقٍ بنظرةٍ حزينةٍ في عَيْنَيْكَ..
عالمُك المشرقُ المُلوَّنُ يبدأ في
التَّلاشي.. لقد نسيَتْ شفاهُك بالفعل
ما هي الابتسامةُ والضحكُ الصِّحي..
لم يَعُدْ هناكَ شرارة ساطعة في
عَيْنَيْك، فقط خيبة أملٍ كاملةٍ
وتعبٌ جامحٌ..
خيبةُ أملٍ من الآمال التي لم
تتحقَّق، خطط منهارة، وعود فارغة
الإرهاق من البحث اللامتناهي عن
السعادة، من الحبِّ الزائفِ،
الأكاذيب المدَّعية، سلسلة من الإخفاقات”.
جملة التجارب القاسية التي اقتحمت حياة “مارين أنجيل لازاروف” كانت بمثابة تحدٍّ لأفكاره ولقيمه، فقد دفع حياته ثمناً لكلماته ومواقفه الشفَّافَّة الصادقة ولرسائله الموشَّاة بالرحمة والحبِّ من أجل الإنسانيَّة، عارضاً التناقض بين طبيعة الخير والشر والاضطراب الاجتماعي والأحداث التاريخية في معانٍ أخَّاذة تظهر فيها معالم: “المكان، الأخلاق، الفلسفة، العدالة، الدين، طبيعة الرومانسية، الحب الملتزم”. لذا عُدَّ بحق من الأدباء البارزين داخل الوطن وخارجه، فقد حصَّن نفسه بالقوة والإرادة حتى نما الحبُّ في أعماقه مثل الشجرة، صابراً على أحزان الحياة كبيرها وصغيرها..
ورغم تعرَّضه للاضطهاد في بلده الأم بلغاريا، إلا أنه صمد متحلياً بالشجاعة والجرأة، وتابع حياته في فنلندا التي فتحت له ذراعيها ومنحته الإقامة الدائمة والتطوير المهني، فغدا مُصوِّراً فوتوغرافياً وصحفياً ناجحاً، وصاحب مشاريع متنوعة، وكاتباً، ومترجماً، وطبيباً نفسياً للأطفال، وكاهناً أرثوذكسياً بلغارياً، وفاعل خير… كما تُرجمت أعماله إلى لغاتٍ كثيرة، وكان سجله حافلاً ومتنوعاً. يعمل بجدٍّ، ويكسب رزقه ويتبرَّع للأعمال الخيرية…
كتب في اِحدى قصائده: “… لكن آلهة الأمس لحقت به، تعجن دقيقاً جديداً بخشونة…”. حكم الأطباء – السرطان! “كلمتان في سماء بلا اسم: “انتهى الأمر”. في مثل هذه اللحظات يلجأ الناس إلى أرواحهم: “يا روحي، انهضي، ماذا تفعلين؟ النهاية قادمة وأنتِ مضطربة. انهضي، ليرحمَكِ المسيح الإله، الذي في كلِّ مكان ويُكمل كلَّ شيء”.
هذا بالضبط ما فعله مارين أنجيل لازاروف فقد ذهب إلى الجانب الآخر من العالم ليكتسب الحكمة ويتحدَّث إلى السماء المُقدَّسة.

الكاتبة السورية: نجاح الدروبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى