
كيف غيّر غياب الأيدولوجيات قواعد التوازن الدولي ؟؟
إيهاب شوقي / مصر
شكّلت الحرب الباردة، على مدى عقود، توازنًا دوليًا على المستويات السياسية والاقتصادية، على الرغم من اندلاع عدة حروب فرعية في عدة جبهات، إلا أنها كانت منضبطة جغرافيًا وعسكريًا بسقف لا يصل لتجدد صراع دولي بين القوى الكبرى.
كما كانت الملفات السياسية والتسويات خاضعة هي الأخرى لتوازنات القوى وارتباطات الأطراف المختلفة بالقوى التي تتقاسم العرش العالمي. هذا ما شكل تسويات ناجحة، في بعض الأوقات، في حين شكل جمودًا وتعطيلًا لملفات أخرى، ولكن حتى مع التعطيل، فقد حال التوازن بين التصفية والاتجاه للمعارك الصفرية التي تنذر بالانزلاقات والتصعيد لمستويات أعلى من الصراع، قد تجر معها القوى الكبرى.
ومنذ نهاية الحرب الباردة بتأريخ متفق عليه بانهيار سور برلين ومع الاتجاه للأحادية القطبية، اختلت التوازنات وسارعت القوى التابعة لأميركا لاقتناص الفرص الإقليمية لتحسين مواقعها وتصفية الصراعات المعطلة. كما سارعت أميركا بفرض الهيمنة في مواطئ قدم جديدة للحيلولة دون تشكل أقطاب عالمية تعيد التوازن وتقتسم العرش العالمي مرة أخرى.
على الرغم من محاولات جادة لقوى كبيرة، مثل روسيا والصين، لتشكيل عالم متعدد الأقطاب، ومع تقدم الأشواط في هذا المسار، إلا أننا ما نزال عمليًا في عالم أحادي القطبية بتطبيق معايير القطب العالمي من حيث عدة معايير خاصة تتعلق بالناتج الإجمالي المحلي والنفقات الدفاعية ومجمل الميزانية العسكرية وهيمنة العملة وغيرها، وبالتالي نحن قد نكون في عالم يسعى للتعددية، ولمّا يبلغها بعد.
إلا أن هناك عوامل أخرى باتت مهملة؛ مع أنها شكلت التوازن الدولي وكانت قادرة على تسريع تشكل نظام عالمي متعدد، كما يمكن، لو كانت مفعلة، أن تحدث التوازن المفقود، وهي العوامل الأيدولوجية والتي كرست الثنائية القطبية سابقًا، وبافتقادها استطاعت أميركا بسط هيمنتها.
هذه العوامل كانت تقسم العالم معسكرات أيدولوجية، تركزت معظمها في اليمين الرأسمالي واليسار الماركسي، وشكلت واجهة الحرب الباردة، حين توزعت ولاءات أغلبية دول العالم إلى أحد المعسكرين، حتى ولو كانت هناك تمايزات وتنويعات داخل معسكري اليمين واليسار الواسعين.
بالطبع تشكلت تكتلات أعلنت الحياد مثل حركة عدم الانحياز، ولكنها كانت تحمل طابعًا أيدولوجيًا يقوم على التحرر الوطني واحترام السيادة والاستقلال، ولم تكن دول تمارس الحياد السلبي. كما كان لهذه الدول مدارس سياسية واقتصادية تتقاطع مع المعسكرين الشرقي والغربي، ولكنها رفضت الانخراط في سياسة الأحلاف العسكرية والانضمام لأي من الحلفين الرئيسين، الناتو ووارسو.
لكن وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق والتوغل الأمريكي في أقاليم العالم والهيمنة على اقتصاداته، تغيرت قواعد اللعبة وأصبحت الأمور لا تخضع لنمط العلاقات الدولية القائم على التوازنات واحترامها، بل تكرس الوضع في نمطين رئيسيين: إما التبعية التامة لأميركا، وإما المقاومة. هذا ما وصف أمريكيًا بالدول المارقة، ثم وصفت بالإرهاب وخلطت الأوراق بين دول وحركات المقاومة التي رفعت راية الحقوق والسيادة والاستقلال الوطني، وبين حركات إرهابية حقيقية أشرف على هندستها وتمويلها وكالات الاستخبارات الأمريكية والبريطانية والغربية بشكل عام.
المحزن، هو أن القوى الكبيرة المرشحة لمناهضة أميركا وتشكيل أقطاب وتعددية قطبية، لم ترفع أيدولوجية مناهضة لأميركا، بل لعبت في ملعب العولمة الأمريكي نفسه، لتصبح منافسًا في المضمار ذاته بقواعده البراغماتية، وبالتالي تشكلت صداقات ولم تتشكل تحالفات مع الدول التي تقاوم أميركا، وبالطبع، تختلف قوانين الصداقات عن قوانين التحالفات.
الصداقات تفرز أنواعًا من التعاون وفقا لتقاطع المصالح والأهداف ولها سقف محكوم بالضرر أو التورط، في حين أن التحالفات تكون على المبادئ وتكتسب بعدا استراتيجيا عابرا للتناقضات أو الأزمات المحتملة.
هذا ما نجده من تنويع في العلاقات الروسية -الصينية على سبيل المثال مع المقاومة من جهة، ومع خصوم المقاومة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، كما نجد تنافسًا حتى بين روسيا والصين في بعض الملفات.
كما أن التنافس بين الصين وروسيا من جهة وبين أميركا في مجال التجارة ووفقا لقواعد العولمة، يجعل هناك سقفًا للمواجهات حتى لا تنهدم جدران الحلبة وتسقط اللعبة بأكملها ويلحق الضرر بالجميع.
تاليًا؛ دول وحركات المقاومة تراهن على الاعتماد على النفس بالأساس، ثم الإفادة من قواعد الصداقة والتقاطعات مع هذه القوى الصديقة من منطلق عدو عدوي صديقي، ولكنها لا تراهن على تحالفات بنيوية وأيدولوجية، ولا تخلط بين الأمرين. والراصد لتشكل الأيدولوجيات الرئيسة، يجد أنها تبلورت منذ عصر الثورة الصناعية على الرغم من وجود روافد فكرية سابقة، ولكنها جاءت بعد عصر الصناعة والإنتاج وتطور وسائله، ما أفرز مدرسة رأسمالية جشعة، وقيام رد فعل فكري واجتماعي مضاد لها وثائر عليها تمثل بالشيوعية.
بين المدرستين خرجت مدارس وسطية، في حين ظلت هناك مدرسة إسلامية معتدلة؛ شكلت حركات المقاومة الرئيسة وفكر الثورة الإسلامية في إيران وحركات المقاومة الإسلامية؛ لا سيما في لبنان.
اليوم غابت الفلسفات والمدارس الأيدولوجية عالميًا، ومع عصر التطور التكنولوجي والتطور المذهل في الذكاء الاصطناعي، أًصبح التركيز على الربح والتطور الرقمي بدلاً من الإبداع والفكر الإنساني والأخلاقي، وأصبح التنافس محصورًا في المسار ذاته بدلاً من التنافس على تغيير المسار.
كما أن قواعد اليمين واليسار التقليديين قد تغيرت مع المستجدات العالمية، إذ انحرف اليمين إلى يمين متطرف نيوليبرالي، واليسار تقلص وأصبحت معظم قضاياه شبيهة بالقضايا الليبرالية وانطفأ وهجه الاقتصادي الثوري لصالح قضايا مثل فضايا المثلية والحريات المنفلتة.
هذا الوضع يفرض على المقاومات الأيدولوجية أن تتحد وتتبلور في تكتلات وازنة لإعادة التوازن المفقود، وهو ما يتطلب تكتلاً ربما يشابه حركة عدم الانحياز، من حيث بلورة أهداف تتعلق بالسيادة الحقيقية والاستقلال الوطني ومناهضة أميركا والقوى الاستعمارية على أساس مقاومة الاستعمار والاستكبار، وليس مجرد منافسة وصراع على المصالح.