ميخائيل عوض يكتب : التاريخ .. دورات الزمن وسيناريو حرب يوم القيامة !! النصر معقود لأصحاب الرايات ؟؟

التاريخ، دورات الزمن، وسيناريو حرب يوم القيامة “النصر معقود لأصحاب الرايات؟”
ميخائيل عوض / لبنان
ما المقصود بـ حرب يوم القيامة
هو تصورًا للحرب الجارية بوصفها حدثًا تأسيسيًا فاصلاً، لا جولةً عسكرية ولا صراع ردع محدود.
المصطلح المركزي هو:”حرب يوم القيامة” التي نراها حتمية بل وقاب قوسين أو أدنى من حصولها. لكنها ليست قيامة دينية كونية، بل قيامة تاريخية حضارية هي نهاية دورة وبداية أخرى. ونصفها بأنها وجودية لا تكتيكية لذلك فهي لا تقبل التسويات ولا التكافؤ في نتيجة الحرب، كونية لا إقليمية تمتد على مساحة ملايين الكيلومترات، ينخرط فيها نحو 200 مليون إنسان تشارك فيها قوى كبرى بصورة مباشرة وغير مباشرة بأشكال ونسب مختلفة، تمتد من رأس الناقورة إلى المحيط الهندي وعمق الهضبة الإيرانية ،وهي فاصلة بين عصرين لا جولة ضمن صراع طويل. ستنتهي بمهزوم ومنتصر
ولا يمكن أن تنتهي بتعادل أو تسوية.
الطرح يقوم على فرضية أن النظام العالمي الذي ساد لقرون بلغ حدّ الاستنفاد، وأن الحرب الجارية هي مخاض ولادة عالم جديد.
*أولًا: البشرية تسعى لدخول الحقبة الحضارية الثالثة – مفهوم «الدورة الزمنية»*
هناك تقاطع ثلاث مدارس تفسيرية:
1. المدرسة الميتافيزيقية ( علم نهاية الزمان بمستوييه: الميتافيزيقي والمادي) : هذه المدرسة ترى أن التاريخ يسير ضمن دورات كبرى (قرابة 2000 سنة)، وأننا في نهاية دورة حضارية.
في هذا السياق يتم استدعاء مفاهيم مثل:(هرمجدون،الدجال
يأجوج ومأجوج).
نحن لا نتبنى القراءة الغيبية حرفياً، لكننا نعتبر أن الوعي الجمعي الغربي – خاصة الإنجيلي البروتستانتي والصهيونية المسيحية– يتأثر بها، وهو ما ينعكس على سياسات مثل دعم إسرائيل بوصفها «تحقيق نبوءة».
2. المدرسة التاريخية – دورات الإمبراطوريات: هنا يستحضر: ابن خلدون – نظرية العصبية ودورات العمران ورؤية الكواكبي. وكذلك كل المدارس الاجتماعية والفلسفة التي درست صعود وانهيار الحضارات،أفول الامبراطوريات. وفق هذا المنظور فكل إمبراطورية حين تبلغ ذروة التمدد تدخل طور الشيخوخة، ثم تتوحش وتلجأ إلى الحروب كوسيلة لإعادة إنتاج نفسها، لكنها غالباً تُسرّع انهيارها.
3. المدرسة المادية – أزمة النظام الرأسمالي: من معاهدة قادش التي قادت البشرية الى العصر الحضاري الأول ثم صلح وستفاليا التي نقلت البشرية إلى العصر الحضاري الثاني ثم إلى الليبرالية المتوحشة، تشكّل نظام دولي قاده الغرب، ثم انفردت به الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن هذا النظام استنفد إمكاناته الإنتاجية
تحول إلى نظام احتكاري مالي
دخل أزمة قيمية وأخلاقية عميقة وبلغ ذروة توحشه ففي قوانين نشوء وانهيار الإمبراطوريات دورات الزمن والحتميات التاريخية أن كل نظام يبلغ حد التوحش يستدعي سقوطه والبشرية باتت تستعد لدخول الحقبة الحضارية الثالثة بالضرورة.
، الحرب ليست خياراً بل مخرجاً بنيوياً من مأزق الحضارة في نهاية دورتها لولادة عالم جديد بالضرورة بمخاض متعسر ودموي.
*ثانيًا:حتمية الحرب كمعبر حضاري ؟*
نحدد ثلاث علل بنيوية في النطام العالمي اليوم:
1. استنفاد الحلول السياسية
وهنا نطرح اسئلة عصف ذهني لماذا لم تذهب إسرائيل إلى هدنة طويلة بعد تحقيق مكاسب استراتيجية؟
لأن الحرب – ليست لتحسين شروط تفاوض، بل لإعادة صياغة المنطقة.
2. حاجة البقاء والوجود والشرعية لنتنياهو الحرب هنا فرصة البقاء الوحيدة لكل منهما و لتأجيل مواجهة أزمات بنيوية، عجز اقتصادي،انقسام داخلي، وحاجة كل منهما إلى إعادة إنتاج الهيمنة الحرب هي وسيلة تأجيل الانهيار.
3. الصراع بين لوبيين عالميين
صراع داخل الولايات المتحدة بين: لوبي العولمة (حكومة الشركات) و لوبي القومية الأمريكية إسرائيل ليست مجرد دولة، بل قاعدة متقدمة لمشروع لوبي العولمة. وإن هذا الصراع بين الكتلتين في ما نسميه رأس القرية الكونية يمثل حدثًا تأسيسيًا قد ينتج عنه ولادة عالم برؤوس ثلاث.
فنرى أن التكنولوجيا تقدمت
لكن الأخلاق تراجعت.
والعقل التقني سبق العقل الإنساني الحرب – في هذا التصور – لحظة تصحيح قسرية لمسار تاريخي مختل.
*ثالثًا: تحالف نتنياهو العالمي لمواجهة المحور الراديكالي السني*
إن العالم في مرحلة قبيل حرب يوم القيامة يشهد تحالفات متحركة سريعة ومفاجئة أحيانًا. فالحرب العاصغة التي نراها بين ” قوى التوحش” النظام الرأسمالي الليبرالي الغربي في مرحلته الأخيرة، و
إسرائيل كمقدمة متقدمة له، و
المشروع الأميركي في المنطقة. وبين إيران ومحورها وحلفاءها. هنا تظهر فكرة التحالفات المتحركة الحلقة تشير إلى
دعم صيني كبير لإيران،
دعم روسي لاحق،
مواقف خليجية معقدة بين السعودية التي باتت هدف نتنياهو في تحالفه العالمي والإمارات حاضنة الإخوان المسلمين التي ستكون جزءا من حلف نتنياهو؟ الحديث عن تحالف عالمي يقوده نتنياهو لمواجهة ما سماه المحور السني الراديكالي يعيد إلى الذهن التساؤل عن التحالف السابق معهم لمواجهة ما كان يسميه نتنياهو المحور الشيعي الراديكالي.
إن التساؤل المنطقي عن تحالف نتنياهو الذي يسعى أن يضم الهند واليونان وقبرص والإمارات وغيرها هل هذا التحالف يمتلك روافع نشوءه فعلا أم أنه جزء من أوهام نتنياهو الكثيرة؟ والأهم لماذا يريد نتنياهو في هذه المرحلة التي حقق فيها مكاسب كبرى وبالوقائع وعلى امتداد جغرافيا لبنان وسوريا وتسارع مؤشرات سقوط العراق ولماذا بعد أن باتت الجبهات التي تشكل الخطر الوجودي بالنسبة له أصبحت تدعوه لقبول التسوية والتطبيع، لماذا يريد هذا التحالف؟ لماذا لم يقبل نتنياهو وعلى ضوء ما حققه بهدنة طويلة أو تسوية مرحلية
أو تجميد الصراع؟ الجواب : لأن هذه الحرب وجودية وقد خاضها نتنياهو منذ الساعات الأولى وجودية، ولأنها كذلك لا بد أن أحد الطرفين يجب أن يخرج مهزومًا
واستمرار الحرب يعني أن خيار التسوية لم يعد ممكنًا
ويطرح سؤالًا لو كان التعادل ممكنًا، لماذا لم يتحقق بعد كل ما جرى؟
*رابعًا: طوفان الأقصى من عملية تكتيكية إلى قلب عجلة الزمن:*
إن حاجات الأزمنة والتاريخ عبرت عن نفسها منذ بداية طوفان الأقصى الذي بدأ بعملية تكتيكية للافراج عن الأسرى في سجون الاحتلال تحول من يومه الأول إلى حرب وجودية انخرط العالم كله بها، وتشكلت قوى جديدة، صعدت ظواهر من خارج نصها وسياقها في أمريكا وأوروبا، تولدت قواعد جديدة ناظمة للعلاقات الإنسانية، شهد الضمير الإنساني يقظة ثورية وحراكا” أمميا” مناضلا”. وعلى التوازي حشدت قوى التوحش كل وأي من عناصر قوتها وسلاحها وإجرامها. وصمدت غزة وتغير الزمن.
*خامسًا: سيناريو الـ 12 ساعة الحاسمة*
من أكثر المحاور أهمية لسيناريو الحرب على إيران من خارج النص التقليدي أن الساعات الـ 12 الأولى هي التي ستحدد ملامح المنتصر والمهزوم وتحسم شكل المستقبل القادم. الرؤية العسكرية للساعات الأولى تقوم على
أن هذه 12 ساعة هي المدى الزمني لاستنفاذ كل هذه الحشود العسكرية وحاملات الطائرات والأساطيل لعنصر المفاجأة والاختراقات والقوة النارية الصلبة والهائلة بضربة أمريكية – إسرائيلية صادمة،
تستنفذ عنصر المفاجأة والترويع.
بعد هذه الضربة أو أثناء حدوثها سيتقرر هل نجت إيران أم لا؟ وهل فشلت محاولة شلّ القيادة الإيرانية؟ هل كانت الاختراقات كاذبة وسيطرت عليها إيران؟ هل أعادت تنظيم نفسها وقوتها؟ هل استفادت من تجربة حرب الـ 12 يوم؟.
ومن هنا فإن سيناريو رد إيران إذا تماسكت وأظهرت القدرة على القيادة والسيطرة عندها تنتقل الحرب إلى طور استنزاف شامل، وما يريده ويعتقده ترامب ونتنياهو بأنها حرب ستنتهي في خمس او ست ايام سيكون وهما” فلن تستجيب إيران هذه المرة لطلب وقف الحرب، تدخل الصين وروسيا بشكل غير مباشر،
تتعرض المصالح الأمريكية بما فيها العسكرية واللوجستية والاقتصادية ومشاريع ترامب في المنطقة لضربات ممتدة وكاسرة. سيكشف عن “نصر أصحاب الرايات”.
*سادسًا: للحرب مساران لا ثالث لهما*
السيناريو الأول: انتصار إيران
يؤدي إلى انهيار الوجود الأمريكي؛ زوال إسرائيل و
سقوط مشروع الهيمنة الغربية في المنطقة، وبالضرورة
ولادة عالم جديد.
السيناريو الثاني: لا ينتصر أي من المتحاربين:
مثال الحرب العالمية الثانية
خرجت قوى أوروبية مدمرة
صعدت قوى خارج مسرح الاشتباك الرئيسي وانتصرت روسيا وأمريكا.
أي أن المتحاربين قد ينهكان، فيما تنتصر قوى ثالثة من خارج مسرح الاشتباك.
لكن المؤكد وبأي سيناريو سارت الحرب سواء انتصار واضح يغيّر موازين القوى أو إنهاك شامل يمهّد لمرحلة انتقالية طويلة أو ظهور وريث النصر الكامن ، المؤكد أن النظام القديم لن يعود كما كان، التسويات المرحلية لن تعيد عقارب الساعة
نحن في زمن انتقال حضاري، والأهم ليس في سيناريوهات الحرب فرصة نصر لإسرائيل أو أمريكا فحاجات الأزمنة والبيئة الاستراتيجية وميزان القوى الكلي يحسم بأنه ليس في صالح أي منهما.
*سابعا : النصر معقود لأصحاب الرايات:*
لا تُعرّف الرايات بلون محدد ، الرايات هنا ليست لوناً مذهبياً. هي القوى التي صمدت وتصمد، وترفض التسوية الاستسلامية،
ولأنها تعتبر الصراع وجودياً
فهي تقبل كلفة الحرب حتى النهاية.
النصر معقود لمن يفهم لحظة الدورة الزمنية و يستعد لها
يتحمل كلفتها.
النصر – في هذه الرؤية – ليس لمن يملك السلاح الأقوى، بل لمن امتلك القدرة على الاستمرار بعد كل كبوة فارس.
🖋 ميخائيل عوض