
منذ تأسيسه في عام 1971،مثّل اتحاد الكتاب التونسيين أحد أبرز المنارات الثقافية في تونس، واحتضن أجيالا من المبدعين والمفكرين الذين شكلوا المشهد الأدبي والفكري في البلاد.لكن هذا الصرح الثقافي العريق يمر اليوم بمنعطف خطير يهدد وجوده ومصداقيته،بعد أن تحول إلى ساحة صراع حاد تتداخل فيه الأزمات المالية مع الإشكاليات القانونية وفقدان الشرعية التمثيلية. ففي ظل التجاذبات الداخلية والخلافات الحادة حول المؤتمر الانتخابي الأخير،يبدو الاتحاد وكأنه يقف على حافة الهاوية،ليطرح سؤالا جوهريا: هل يمكن إنقاذ هذا المرفق الثقافي التاريخي،أم أننا أمام نهاية حقبة كاملة؟
-مشهدية الأزمة:مؤتمر على وقع الخروقات :
عقد اتحاد الكتاب التونسيين مؤتمره الانتخابي الثاني والعشرين في 21 ديسمبر 2025 بمدينة القيروان،في ظل أجواء مشحونة بالجدل والاتهامات المتبادلة.فقد شهد المؤتمر حضورا ضعيفا لم يتجاوز 79 عضوا من أصل 261 عضوا مسجلا،وهو عدد أقل بكثير من النصاب القانوني المطلوب (132 عضوا).ولإنقاذ المؤتمر من التأجيل،لجأت الهيئة المنظمة إلى آلية النيابات، حيث ظهرت فجأة 53 نيابة مزعومة،ليكتشف المعترضون لاحقا أن 36 منها غير موثقة حسب الأصول القانونية لعدم مصادقتها من البلديات .
هذه الخروقات الإجرائية دفعت بالكاتب والباحث محمد المي إلى استدعاء عدل منفذ لمعاينة ما وصفه بـ”الخرق الأساسي الذي من شأنه إبطال أعمال المؤتمر”،وأعلن عن نيته رفع قضية استعجالية للمحكمة الإدارية للمطالبة بوضع الاتحاد تحت مراقبة متصرف قضائي وإعادة انتخابات شفافة.كما كشف المي عن مفارقة صارخة: النتائج المعلنة تظهر فوز سعد برغل بـ93 صوتا،لكن بعد استبعاد النيابات المشبوهة،يصبح رصيده الحقيقي 57 صوتا فقط .
-تركيبة الأزمة: أبعاد متشابكة:
لا يمكن اختزال أزمة اتحاد الكتاب في الجدل القانوني حول شرعية المؤتمر فحسب،بل هي أزمة متعددة الأبعاد تعكس تراكما من الإخفاقات والإشكاليات:
-الأزمة المالية الخانقة: كشف رئيس الاتحاد الجديد سعد برغل في ندوة صحفية عُقدت في 11 فيفري 2026 أن الهيئة تسلمت مهامها دون أي موارد مالية،في ظل ديون متراكمة تفوق 160 ألف دينار،وأن الاتحاد لم يتحصل على أي منحة من وزارة الشؤون الثقافية منذ جويلية 2023 رغم تقديم الملفات المطلوبة.هذا التجفيف المالي الممنهج جعل الاتحاد غير قادر على الوفاء بالتزاماته الأساسية.
-إغلاق “دار الكاتب”: يعاني الاتحاد من مشكلة إضافية تمثلت في إغلاق مقره التاريخي “دار الكاتب” منذ أفريل 2025 بقرار إداري من ولاية تونس “دون تمكين الاتحاد من وثيقة رسمية تبرر قرار الغلق”،وفق تأكيد سعد برغل،في حين يظل المقر محل كراء وتستمر المعاليم الشهرية في التراكم .
-الشلل المؤسساتي: يشير الصحفي فطين حفصية إلى أن الاتحاد “فقد جميع مواقعه في تمثيل الكتاب في لجان تظاهرات وزارة الثقافة”، وتوقفت مجلته الفصلية عن الصدور،ولا تصدر له كتب،وتحول إلى “مجرد ناد للشعر وآخر للسرد” . كما أن صفحته الرسمية على فيسبوك باتت “تشبه القبور المتجاورة بإعلانها أخبار الموت وإصدار بيانات النعي”..!
-تراجع العضوية: انخفض عدد المنخرطين من حوالي 500 عضو سابقا إلى 261 عضوا فقط، مما يعكس فقدان الثقة في هذا الهيكل الثقافي وهجرة العديد من الأقلام المبدعة إلى فضاءات بديلة .
وثمّة بعد آخر في الأزمة يتعلق بطبيعة العلاقة الملتبسة مع السلطة السياسية.إذ يصف فطين حفصية هذه العلاقة بأنها ظلت “موصوفة بالشراكة الملتبسة أو التبعية الصامتة،وفي أغلب الأحيان بحب عذري أعمى معها”.وقد دفع هذا الوضع العديد من الكتاب المستقلين إلى الاستقالة أو تأسيس هياكل موازية،مثل “رابطة الكتاب الأحرار” سنة 2001 و”نقابة الكتاب والأدباء والشعراء” تحت يافطة الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 2010 .
هذه الانقسامات تعكس فشل الاتحاد في استيعاب التنوع الفكري والسياسي للمشهد الثقافي التونسي،وتحوله إلى ساحة للتجاذبات الإيديولوجية على حساب دوره النقابي والإبداعي.
ولا يمكن فهم أزمة اتحاد الكتاب بمعزل عن السياق الأوسع الذي يعيشه قطاع الكتاب والنشر في تونس.فاتحاد الناشرين التونسيين كان قد أعلن في أكتوبر 2025 عن تعليق مشاركته في المعرض الوطني للكتاب،محتجا بـ”سياسة التهميش المتواصلة التي تنتهجها وزارة الشؤون الثقافية تجاه الناشرين ومؤسسات النشر” . ووصف الاتحاد وضع الناشرين بأنه “أزمة غير مسبوقة” ناجمة عن غياب الدعم العمومي وتراجع السياسات الموجهة للنهوض بالكتاب .
كما أشار الناشرون إلى “إقصائهم” من تنظيم المعرض الوطني للكتاب،رغم أن هذه التظاهرة أطلقت بمبادرة منهم سنة 2018 ونظموها بالشراكة مع الوزارة في أربع دورات سابقة.هذا التوتر يعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة للسياسة الثقافية في البلاد،وتهميش الفاعلين الأساسيين في المشهد الثقافي.
-أسئلة المصير: إلى أين يتجه الاتحاد؟!
اليوم،يقف اتحاد الكتاب التونسيين عند مفترق طرق مصيري.فمن جهة،تهدد الدعوات إلى حله ومقاطعته بتعميق الشرخ وتفتيت ما تبقى من المشهد الثقافي الموحد.ومن جهة أخرى،فإن استمرار الوضع الحالي بهيئة “غير شرعية” حسب خصومها،وفي ظل عجز مالي وهيكلي،يهدد بتحويل الاتحاد إلى جسد ثقافي هامشي يفقد تدريجيا مبررات وجوده.
الهيئة الجديدة من جانبها تؤكد احترامها للمسار القضائي بخصوص الطعن في شرعية المؤتمر، وتنتظر صدور الحكم في مارس 2026.لكن انتظار الحكم القضائي وحده لا يكفي لحل الأزمة العميقة،فالمرحلة تتطلب مراجعة جذرية للقانون الأساسي للاتحاد،وتطوير آليات اشتغاله،واستعادة الثقة مع قاعدة الكتاب التونسيين.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن إنقاذ اتحاد الكتاب التونسيين؟!
الجواب رهن بإرادة جماعية تتجاوز الخلافات الشخصية والتجاذبات الضيقة،وتنظر إلى هذا الصرح الثقافي بصفته ملكا عاما للأقلام التونسية، وليس حكرا على مجموعة معينة.كما أن الدولة مطالبة بمراجعة سياساتها الثقافية،وإعادة النظر في آليات الدعم والتمثيل،وإفساح المجال لهياكل ثقافية مستقلة وقوية.
في هذا السياق،دعا الباحث التونسي فريد العليي،
إلى “إحداث الفراغ حول الهيئة اللاشرعية القادمة،ودعوة من فيها إلى الاستقالة لفتح الباب أمام مؤتمر فعلي تتوفّر فيه القانونية والشرعية والاستقلالية،وقبل ذلك كله الديمقراطية”.
هذه الدعوة تعكس إجماعا واسعا على ضرورة تجاوز الوضع الحالي نحو حلول جذرية تعيد للاتحاد مكانته ودوره.
إنّ ما يواجهه اتحاد الكتاب التونسيين ليس مجرد أزمة عابرة،بل هو اختبار حقيقي لقدرة النخبة الثقافية التونسية على تجاوز خلافاتها،وبناء مؤسسات ثقافية قوية ومستقلة،قادرة على الدفاع عن حقوق المبدعين،والإسهام في إثراء الحياة الثقافية.فهل ينجح الكتاب التونسيون في إنقاذ اتحادهم،أم نكتب خلال السنوات القادمة نعيه الرسمي؟!
في النهاية،لا تمثل أزمة اتحاد الكتاب التونسيين مجرد خلاف عابر حول شرعية مؤتمر انتخابي،بل تعكس انعكاسا مكثفا لمرض ثقافي وهيكلي مزمن تراكم على مدى عقود.فالاتحاد الذي ولد كمشروع طليعي يستجيب لتطلعات المبدعين،يجد نفسه اليوم رهينة صراعات قانونية عقيمة،وديون متراكمة،وشلل مؤسساتي حاد،وعلاقة ملتبسة مع السلطة جعلته يفقد بوصلته النقابية والإبداعية.
وما يحدث اليوم في ردهات الاتحاد وعلى صفحات محاكمه الإدارية يتجاوز كونه نزاعا على كرسي الرئاسة أو شرعية مكتب تنفيذي،إنه استفتاء وجودي على جدوى هذا الجسد الثقافي برمته.فاستمرار الانقسامات،وتآكل الثقة،وهجرة الأقلام المبدعة،وتوقف المنابر الثقافية،كلها مؤشرات تنذر بتحول هذا الصرح التاريخي إلى مجرد ظل ثقافي باهت،أو متحف يخلد ذكرى ماض أدبي زاهر.
وإذا كانت المحكمة الإدارية ستفصل قريبا في شرعية المؤتمر،فإن الحكم القانوني مهما كان لن يكون وحده كافيا لإنقاذ الاتحاد.فالخلاص الحقيقي يتطلب مراجعة جذرية تتجاوز الشخصنة والتجاذبات الإيديولوجية الضيقة،نحو بناء توافق وطني ثقافي جديد يضع مصلحة الكتاب والمشهد الإبداعي فوق كل اعتبار.
إن مستقبل اتحاد الكتاب التونسيين اليوم هو اختبار صارم لقدرة النخبة الثقافية على تجاوز جراحها الذاتية،وإعادة اختراع مؤسستها من جديد.فإما أن تنبثق من رحم هذه المحنة إرادة جماعية قادرة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه،وإما أن تتحقق نبوءة الانهيار،ونكتب بعد سنوات ليس فقط نعي اتحاد،بل نعي حقبة كاملة من العمل الثقافي المؤسساتي في تونس.