
صعبٌ عليّ ما أراه في المشهد المصري اليوم؛ ليس فقط على مستوى الشارع، بل داخل النخبة نفسها. أساتذة، كتّاب، باحثون، صُنّاع اتجاهات معرفية… جميعهم تقريباً وقعوا في فخ التبسيط.
حرب بحجم المواجهة بين #إيران وإسرائيل والولايات المتحدة تُختزل في شعارات، أو تُهرب إلى صمت بارد، أو تُختصر في انفعال لحظي لا يصمد أمام أول سؤال جاد.
المشكلة ليست في الاختلاف. الاختلاف صحي. المشكلة في غياب القدرة على صياغة موقف مركب.
هناك من يرى المشهد أبيض بالكامل: “عدوان أمريكي إسرائيلي، إذن نحن مع إيران دون قيد أو شرط”.
وهناك من يراه أسود بالكامل: “إيران خطر وجودي، إذن أي ضربة لها مبررة”.
وبينهما فراغ واسع… فراغ التفكير.
النخبة المصرية تاريخياً لم تكن كذلك. في لحظات مفصلية — من أزمة 1956 إلى 1967 ثم حرب الخليج — كان هناك جدل حقيقي ومدارس تحليل. اليوم يغلب الصوت العالي على الفكرة، والانحياز العاطفي على التحليل الاستراتيجي.
لماذا؟
لأن المشهد الإقليمي أصبح أكثر تعقيداً مما يحتمله التفكير الكسول. لم تعد هناك ثنائيات جاهزة. إيران ليست فقط “دولة مقاومة”، وليست فقط “مشروعاً توسعياً”. إسرائيل ليست كياناً معزولاً، بل لاعباً مندمجاً في شبكة تحالفات. والولايات المتحدة نفسها منقسمة داخلياً حول حدود انخراطها العسكري.
هذه التعقيدات تتطلب جهداً معرفياً حقيقياً… وهو جهد يبدو أن كثيرين لم يعودوا مستعدين لبذله.
اليوم، وبعد انطلاق الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، دار بيني عبر تليجرام حوار عميق مع اثنين من الصحفيين الأوروبيين البارزين:
Saeed Kamali Dehghan من The Guardian — الصحيفة البريطانية ذات التأثير العالمي في التحليل السياسي الدولي ، تتلمذت على يديها في فهم المعالجة السياسية للقضايا العالمية، وتعلمت منها كيف تُفكك الأزمات بعيداً عن الشعارات، وكيف تُقرأ موازين القوى لا الانفعالات.
والصحفية Ana Pasto منEl País، الصحيفة الإسبانية الوطنية الرائدة المعروفة بتغطيتها المعمقة للشؤون الدولية واهتمامها الخاص بقضايا الشرق الأوسط والتحليل الاستراتيجي للصراعات المعقدة.
المفارقة التي أدهشتني أن نقاشنا لم يبدأ بسؤال: “مع من نقف؟”
بل بسؤال: “إلى أين تتجه المنطقة؟ وما حدود قدرة كل طرف؟ وما السيناريو الأكثر كلفة على المدى المتوسط؟”.
خلال هذا الحوار عرضت عليهما الإصدار الإنجليزي الذي أعددته مؤخراً حول ملف مصري سيادي حساس وهو عمل جاء بناءً على رغبة عزيز لدي، وأخرجه فنياً أحد نوابغ #الأهرام فكانت إشادتهما واضحة بعمق التناول، ودقة البناء التحليلي، وجرأة العناوين التي تتناغم مع المتلقي الأوروبي دون أن تفرّط في الثوابت الوطنية.
هذه الإشادة لم تكن مجاملة. كانت تأكيداً أن القارئ الأوروبي يقدّر الطرح المؤسس، وأن المادة الجادة تستطيع أن تعبر الحدود حين تُصاغ بعقل بارد ومنهج واضح.
وهنا يبرز السؤال المؤلم:
كيف يفهم صحفيو أوروبا تعقيدات منطقتنا بهذا القدر من التوازن، بينما تتعثر بعض نخبنا بين الانحياز المطلق والصمت المرتبك؟
الحرب الحالية ليست بعيدة عنا. أي اتساع للمواجهة يعني ضغطاً على الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، اضطراباً في أسعار الطاقة والغذاء، واستقطاباً إقليمياً قد يضع القاهرة أمام خيارات دقيقة.
ومع ذلك، لا نكاد نسمع نقاشاً جاداً حول المصلحة المصرية الخالصة. إما انحياز عاطفي، أو صمت متوجس، أو تبسيط يختزل المعركة في “نحن مع من ضد من”.
ليس المطلوب اصطفافاً أعمى، ولا حياداً بارداً.
المطلوب عقل استراتيجي يسأل:
كيف نحمي الداخل من ارتدادات الخارج؟
كيف نوازن بين علاقاتنا الخليجية، واتصالاتنا الدولية، ودورنا التاريخي؟
هل مصلحتنا في التصعيد أم في الوساطة؟
الحرب دائرة، وقد تطول.
لكن ما يقلقني أكثر من أزيز الصواريخ… هو أن يصبح التفكير نفسه رفاهية، وأن تفقد النخبة شجاعتها في صياغة موقف مركّب.