
١- هذه الحرب هى بمثابة “حرب الهروب إلى الأمام” لجميع أطرافها. فمن خلال قراره باهظ التكلفة سياسيا وعسكريا بشن الحرب ضد إيران رغم تقدم مسار المفاوضات وغياب أى تهديد حقيقى للمصالح الأمريكية، يسعى ترامب لتحقيق إنجاز انتصارى يدخل به التاريخ، ويخرج به من هزيمة انتخابية شبه أكيدة فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس -التى ستجعل منه بطة عرجاء غير قادرة على الحكم- أو يقطع الطريق على الاستياء الشعبى والاهتمام الإعلامى بالتداعيات الكارثية لفضيحة ملفات إبستين، التى قد تدفع به فى حالة استفحالها إلى خارج الحكم.
نتنياهو يحاول بدوره دخول التاريخ والهيمنة على الشرق الأوسط والاستمرار فى الحكم محطما الأرقام القياسية الإسرائيلية، ومغتنما فرصة وجود ترامب فى حكم أمريكا، وذلك بدلا من دخول السجن.
آية الله خامنئى (قبل اغتياله) كان يحاول تجنب الحرب قدر الإمكان، لكنه كان يدرك أنها قادمة لا محالة، وكان الاستعداد لها على قدم وساق، وفقا للمعلومات المتاحة، والتى تتفاوت حول طبيعة ومدى وكفاءة هذا الاستعداد.
من وجهة نظرى، الحرب بالنسبة لنظام الولى الفقيه -وإن كانت عظيمة التكلفة- إلا إنها تمثل له أيضا طوق نجاة ومنفذا نادر ا أخيرا لتوحيد الشعب الإيرانى -على اختلاف موقفه من نظام الحكم- حول العلَم وضد العدوان، وذلك فى لحظة تتراجع فيها شعبية النظام إلى حدود انخفاض غير مسبوقة (قدّرها استقصاء رأى غير معلن أجرته استخبارات الحرس الثورى مؤخرا بأن شعبية نظام الجمهورية الإسلامية لم تعد تتجاوز ٢٥ %، وفقا لأحد المصادر العليمة)، والسبب فى ذلك الصعوبات الاقتصادية المتفاقمة جراء ضغوط العقوبات، ووسائل التواصل الاجتماعى التى كسرت حصار النظام على الحريات، وتباعد الأجيال الصاعدة فى إيران عن إرث الثورة الإسلامية.
٢- على العكس من حرب الاثنى عشر يوما الإسرائيلية-الأمريكية، التى بدا خلالها وجود فجوة واسعة بين هدف إسرائيل فى إسقاط النظام الإيرانى وبين اكتفاء أمريكا بتغيير سلوك هذا النظام، يظهر هذه المرة من نمط الاستهداف للصف الأول من القيادة السياسية والعسكرية والأمنية الإيرانية، واتساع نطاق الأهداف العسكرية والأمنية فى إيران، وأيضا من نمط تصريحات ترامب ونتنياهو التحريضية للشعب الإيرانى، أن هذه الحرب تعكس اتفاقا بين واشنطن وتل ابيب على هدف تغيير النظام السياسى فى إيران.
الفارق الوحيد فى تقديرى هو أن ترامب قد يقنع بمنطق “قطع الرأس” على النمط الفنزويلى، وما يستتبعه ذلك من ظهور قيادة بديلة وصعود وجوه جديدة أكثر “مرونة” تستمع “للرغبات” الأمريكية، بينما يتطلع نتنياهو إلى “قطع الجذور” واستئصال نظام الجمهورية الإسلامية بشكل كامل.
٤- المشهد الذى يتشكل يشير إلى أن استراتيجية العدوان الأمريكى-الإسرائيلى تتمثل فى إحداث شلل تام وانهيار سريع للنظام الإيرانى يترتب عليه فقدان القدرة على الرد العسكرى وإدارة الأوضاع الداخلية، بما يسمح بنزول الجماهير إلى الشوارع، ويدفع للظهور بعض العناصر المعتدلة فى الحكم او العميلة من داخل أو خارج الحكم.
أما الاستراتيجية الإيرانية فقد تطورت سريعا بعد اغتيال المرشد الأعلى خامنئى، الذى اعتبرته طهران محوا لكل قواعد وحدود الاشتباك المتعارف عليها فى السابق، ما سيدفع متخذى القرار الإيرانى فى اتجاه تكبيد العدوان الإسرائيلى-الأمريكى خسائر فادحة عبر تبنى استراتيجية “هدم المعبد على رؤوس الجميع” أو “يوم القيامة” إذا جاز التعبير، حيث ستخوض الجمهورية الإسلامية الحرب بمنطق فتح جميع الجبهات الممكنة لتشتيت التركيز الحربى الإسرائيلى، وإلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر الرادعة بإسرائيل، كما ستسعى إلى المزيد من توريط الجانب الأمريكى فى حرب طويلة ومكلفة من خلال مهاجمة الأهداف والمصالح الأمريكية فى المنطقة،
٥- لا يمكن فى هذه اللحظة توقع قدرة أو كفاءة إيران فى تنفيذ استراتيجيتها، فى ضوء صعوبة التعرف على حقيقة القدرات العسكرية الإيرانية من جانب، و-من ناحية أخرى- الخبرة السابقة مع النظام الإيرانى، التى تدهش المراقبين بتناقضها اللافت على صعيدين:
درجة وعمق ومستويات الاختراق المهين لقلب وقمة النظام، بحيث ينجح العدوان الإسرائيلى فى اغتيال قيادات الصف الأول للمرة الثانية خلال ٨ أشهر،.
ولكن فى نفس الوقت القدرة غير المتوقعة للنظام الإيرانى -كما أثبتتها فى الحرب السابقة فى يونيو ٢٠٢٥ وحتى الآن- على تحمل وامتصاص هجوم جوى شامل وواسع الأهداف تشنه معا القوة العظمى فى العالم والقوة الاستعمارية الاستئصالية الكبرى فى المنطقة، وسرعة رد الفعل رغم “قطع رأس” رأس النظام، وأيضا ما يتوفر من معلومات حول القدرة الإيرانية على شن الهجمات وتكبيد الخسائر فى قلب إسرائيل، قياسا على حرب ال١٢ يوما رغم التعتيم الإسرائيلى الكبير.
٦- بالنسبة للاختراق الاستخبارى، فسببه بالتأكيد تكنولوجيا شديدة فائقة التقدم غير متاحة إلا للجيشين الأمريكى والإسرائيلى، وقدر لا يصدق من العمالة فى قمة النظام، حيث نُقِل عن بعض المصادر العليمة أن مخابرات القضاء الإيرانى قامت خلال الأسابيع الماضية باعتقال قيادة كبيرة “جدا” داخل مخابرات الحرس الثورى بتهمة التجسس لإسرائيل.
ما يدهش هنا حقا هو ضعف قدرة الأجهزة الإيرانية على التعلم من أخطائها أو كشف الثغرات المتكررة على مدى العامين الأخيرين. وقد يكون السبب هو التكلس الذى تتعرض له نظم الحكم الإيديولوجية المغلقة التى تعتمد على أهل الثقة والولاء أكثر من أصحاب الكفاءة، وتفتقر إلى الرقابة المستقلة وتجديد الدماء، فضلا عن ضعف العوائد الاقتصادية مع استمرار العقوبات، والإدراك لانسداد الأفق السياسى للنظام وشحوب الأمل فى استمراره.
٧- فيما يتعلق بما أظهرته إيران من قدرة على الرد السريع خلال اليومين السابقين، يبدو أن ما يتردد على لسان (ما تبقى من) كبار المسؤولين الإيرانيين عن وجود تعليمات مسبقة بلامركزية القرارات العسكرية ومنح القادة الميدانيين حرية اتخاذ القرار فى حالة تعرض البلاد لهجوم، هو أمر صحيح، لكن ترتب عليه درجة ملحوظة من عشوائية الرد السريع (التلويش).
هذا الرد -وإن أعاد بث الامل فى نفوس الإيرانيين والخوف فى قلوب الإسرائيليين- إلا إن استهدافه لمواقع فى الخليج جعل من السهل تكتيل دول الخليج -على اختلاف مواقفها إزاء إيران- والدول الحليفة لها، ضد إيران – على الأقل على صعيد التصريحات والمواقف المعلنة.
كما أن مهاجمة أهداف بريطانية فى قبرص وفرنسية فى الإمارات سيدفع الدولتين لإعلان الحرب على إيران. وربما يكون ذلك مقصودا من الجانب الإيرانى لدفع الصين وروسيا للتدخل إلى جانبها بشكل علنى، وهو تطور ضئيل الاحتمال – حتى الآن.