
من السهل في لحظات الغضب أن نرى العالم بعين واحدة: رئيسٌ أمريكي يتحرك بلا قيد، يقرر فيُنفَّذ، ويضرب فتتبدل الخرائط. صورة “القيصر” مغرية في بلاغتها، ومفهومة في سياق مشاعر الغضب من سياسات واشنطن. لكن السؤال الأهم: هل الواقع بهذه البساطة؟
أولاً، صحيح أن للرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة في استخدام القوة، وأن التاريخ الحديث شهد عمليات عسكرية لم تمر بإعلان حرب تقليدي من الكونغرس. لكن القول إن القرار يتم “بلا قيود” يتجاهل شبكة معقدة من الضوابط: الكونغرس، القضاء، الرأي العام، المؤسسات العسكرية نفسها، والتحالفات الدولية. هذه ليست تفاصيل شكلية؛ هي جزء من بنية النظام الأمريكي، حتى لو بدت أحيانًا متأخرة أو محدودة الأثر.
ثانيًا، فكرة أن واشنطن تستطيع اعتقال أو تصفية أي رئيس دولة متى شاءت، من فنزويلا إلى إيران، تتجاهل كلفة الفعل. كل ضربة خارجية تُقاس بحسابات الردع، والانعكاسات الإقليمية، وأسواق الطاقة، وموقف الحلفاء. القوة موجودة، نعم، لكنها ليست سحرًا بلا ثمن. وأي انزلاق غير محسوب قد يفتح أبوابًا لا تريدها واشنطن نفسها.
وإذا كان الحديث عن “القيصر” يركّز على الضربة العسكرية المباشرة، فثمة بعدٌ آخر أكثر هدوءًا وأشد تأثيرًا، يتمثل في أدوات النفوذ غير الصلبة: دعم أنظمة بعينها، ترجيح كفّة أطراف سياسية، الصمت على انقلابات، أو التعامل مع انتخابات شكلية تُبقي مظهر السيادة قائمًا فيما القرار الحقيقي يتحرك داخل توازنات أوسع. هذا النمط من التأثير ليس طارئًا على المنطقة، بل جزء من تاريخها الحديث. ومع ذلك، لم يكن تحكمًا مطلقًا؛ فقد انقلبت رهانات كثيرة، وسقطت حسابات، وخرجت مسارات عن السيطرة رغم كل أشكال الدعم الخارجي.
ثالثًا، الحديث عن “نهاية السيادة” وبداية “إمبراطورية رومانية جديدة” يلتقط شعورًا حقيقيًا بخلل ميزان القوة، لكنه يقفز فوق حقيقة أن المنطقة ليست فراغًا. فيها قوى إقليمية، وتحالفات متبدلة، وقدرات ردع متفاوتة. لم تنجح قوة كبرى في فرض هيمنة مطلقة طويلة الأمد في الشرق الأوسط دون ارتداد مكلف.
أما ما يُقال عن تجاوز المؤسسات الدولية، فالأمم المتحدة ومجلس الأمن لم يكونا يومًا كوابح كاملة للقوى الكبرى؛ بل ساحات صراع تعكس توازنات القوة. هذا لا يبرر التجاوز، لكنه يضعه في سياق تاريخي أوسع من شخصٍ واحد أو إدارةٍ واحدة.
في المقابل، تصوير أي رئيس أمريكي كإمبراطور مطلق يختزل السياسة في إرادة فرد، ويتجاهل تعقيد المصالح داخل واشنطن نفسها. الولايات المتحدة ليست كتلة صماء؛ هي شبكة مصالح متداخلة، تتصارع وتتوافق، وتراجع حساباتها حين تتعاظم الكلفة.
الخلاصة التي أراها:
نعم، هناك نزعة لاستخدام القوة بجرأة، وربما بقدر من الاستخفاف بالقيود الدولية.
ونعم، الخلل في ميزان القوة يثير قلقًا مشروعًا حول السيادة والقرار الوطني.
لكن تحويل المشهد إلى سردية “قيصر مطلق” قد يريح العاطفة، ولا يفسر بدقة حركة الواقع.
السياسة ليست مسرحًا لشخص واحد، مهما بدا صوته عاليًا.
وما يحسم المسارات في النهاية ليس الخطاب، بل حسابات القوة والكلفة، وقدرة الأطراف الأخرى على صناعة توازنٍ مضاد.
بين الغضب المشروع والقراءة الباردة مساحة ضرورية. وأنا أميل إلى الثانية، لأنها — مهما كانت أقل إثارة — أقرب إلى فهم ما يجري.