
إنّي أُراني
في سلالةِ الرغبةِ الأولى،
أخرجُ من صلصالِ هذا الوجود
كما ينهضُ الضوءُ
من شقِّ حجرٍ نسيَ العتمةَ طويلاً.
ألمسُ وجهي
فأجدُ الطينَ ما زالَ يكتبُ أسماءَهُ
على راحتي،
ويقول:
“منكَ ابتدأ السؤالُ،
وبكَ
يكتملُ ارتعاشُ المعنى.”
أنا الطائرُ
الذي غادرَ مدارَ الصقيع،
لمّا ضاقتْ بهِ الجهاتُ
وصارَ الجليدُ
لغةً تُؤجِّلُ نبضَ الأجنحة.
كسرتُ نافذةَ الريح،
ومضيتُ…
لا ألتفتُ لظلّي
حين كانَ يساومني
على دفءِ القفص.
وجهتي
شمسٌ استوتْ
في قبضةِ التاريخ،
تعلّمتْ أن تُنصتَ
لخطواتِ الذينَ حملوا المسافاتِ
على أكتافِهم
كي لا تموتَ الجهات.
هناكَ
حيثُ انحازتِ السماءُ
للعطاشى،
للذين كابدوا
عطشَ الترحال،
فصارَ الرملُ صلاةً،
وصارَ التعبُ
مزاميرَ نجاة.
أمشي إليهم
كأنّي أستعيدُ اسمي
من فمِ الغياب؛
كلُّ خطوةٍ
تُنبتُ في صدري طريقًا،
وكلُّ جرحٍ
يفتحُ نافذةً
على احتمالاتِ الحياة.
إنّي أُراني
لا كما أرادوا لي أن أكون،
بل كما أرادتني
رعشةُ البدايات؛
مزيجًا من طينٍ ونار،
ومن حلمٍ
يعرفُ أنَّ النجاةَ
ليست في الوصول،
بل في استمرارِ العبور.
يا شمسَ المعنى،
خذيني إلى اشتعالي الأخير،
علّمني كيفَ أكونُ
ابنَ دهشتي،
لا وريثَ خوفهم.
فأنا الطائرُ
حين يُسمّي جناحيه
وطنًا،
والراحلُ
حين يجدُ في التيه
خريطتهُ السرّيّة.
أنا الذي خرجَ
من صلصالِ الوجودِ
كي يتعلّمَ أخيرًا
أنَّ الإنسانَ
حين يختارُ ضوءَه،
يصبحُ
شمسًا أخرى
تمشي على الأرض.