رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :من الصدمة الى العقاب

” ”
حديث الرئيس الامريكي عن” القيادة الايرانية الجديدة” يعكس طريقة تفكير هذا الأحمق الذي وضع على رأس قيادة الولايات المتحدة لتنفيذ مشروع حروب في الشرق الأوسط باسلوب الخداع ولم يسلم من خداعه حتى ناخبيه الذين وعدهم بشعار” أمريكا أولاً” الذي تحول” اسرائيل اولا” وشعار” لا حرب”.
تغيير المواقع ليس تغيير النهج بعد انتقال ايران من استيعاب الصدمة الى العقاب. سياسة الهروب الى الامام والحديث عن استعداد امريكي اسرائيلي لحرب قد تطول 4 او 5 اسابيع لا يعكس الحقيقة اليوم وربما كانت ضمن المخطط الاصلي للحرب لكن الامور تغيرت على الأرض.
العقيدة العسكرية الايرانية لجأت الى اسلوب تعدد الجبهات كعقاب مستقبلي لضمان عدم تكرار حرب قادمة ــــــــــ كوي الذاكرة ـــــــــ بعد ان أظهرت الولايات المتحدة لا مبالاة للشركاء العرب وتعرضهم بلا مظلة امريكية للطائرات والصواريخ الايرانية.
اسلوب رفع الكلفة لا لهزيمة وسحق جيوش نصف دول العالم ــــــــــ فرنسا وبريطانيا والمانيا والناتو شركاء ـــــــــ بل الى حرب استنزاف اطول مما خططوا لها بعد فشل الرهان على اغتيال قيادات عليا في الجيش والحرس الثوري مع المرشد الاعلى الذي كان اصراره على البقاء في مقره المعروف للجميع ورفض الاخلاء خطأ فادحاً ثمنه أكثر من 40 قائدا عسكرياً في مواقع عليا مع افراد عائلته.
حرب الاستنزاف لا تهدف الى انتصار عسكري سريع بل رهان على النفس الطويل والعمق الاستراتيجي والحلفاء وتعدد الجبهات ورهان على ان الولايات المتحدة واسرائيل تملك عتبة ألم منخفضة ولا تتحمل خسائر كبيرة ولم تدخل أمريكا في كل تاريخها حرب استنزاف وخرجت منتصرة في حروب” منخفضة الحدة” كحروب عصابات واستنزاف ونفس طويل من فيتنام الى افغانستان الى العراق.
هناك سقف منخفض لعتبة الالم لدى هذه الدول وكذلك اوربا في قطع امدادات النفط وارتفاع اسعار النفط والغاز بعد اغلاق مضيق هرمز في شتاء جليدي.
بدا واضحا الانتقال والتحول السريع من شعار اسقاط النظام الى الرغبة في التفاوض. الحرب في غرف التخطيط ليست هي نفسها على الأرض وتلعب الحوادث الفردية والصدف والأخطاء والعوامل غير المحسوبة دوراً كبيراً لا يمكن حسابه وتوقعه مسبقاً. قصة مشاعر وتهديد وجودي وقلق الموت.
تعتمد ايران على وسائل الكلفة المنخفضة كصواريخ ومسيرات مقابل صواريخ دفاع تكلف ملايين الدولارات. منذ عام 1979 طورت ايران استراتيجية الصبر الطويل وتضييق قسوة العقوبات وفتح ثغرات في الحصار، كما ان مفهو” الصبر” الغربي الامريكي الاسرائيلي يختلف عن المفهوم الايراني المتجذر في العقيدة الدينية وتعدد الأعداء .
هذه ليست حرب اسلحة فحسب بل حرب ارادات ومفاهيم ومشاعر وعقائد مختلفة كما ان مفهوم الموت يختلف لدى اطراف النزاع. سياسة حرب الاستنزاف قد تكون محفوفة بمخاطر ما لم تكن منضبطة خاصة وانها تعاني من حصار اقتصادي خانق وطويل منذ عام 1979.
واضح ان ايران قررت اتباع سياسة المنطقة الرمادية بين تصريحات وزير الخارجية عن احتمال تفاوض على أسس جديدة في حين رفض علي لاريجاني فكرة التفاوض وهو ليس تناقضاً بل خلق حالة غموض وارباك عند الاطراف الاخرى لكي لا تعرف الخطوة القادمة.
بمقتل القادة الكبار الذين كانوا تحت المجهر، لم يعد لدى جواسيس اسرائيل وامريكا والشركاء الكثير من المعلومات خاصة وان قادة المرحلة الانتقالية جاؤوا من الصفوف الخلفية أو في الأقل لم يكونوا في الواجهة وتحتاج معرفة طريقة تفكيرهم الى وقت طويل.
تلويح الرئيس الامريكي بحرب برية كذبة ضخمة بل ستكون مستنقعاً وهدية لا تقدر بثمن لايران تكون حرب فيتنام مجرد نزهة مقارنة بها وقد جربنا ذلك في حرب الثماني سنوات اطول حروب القرن العشرين التقليدية مع ايران وكان الثمن فادحاً بل كان بداية الطريق نحو كوارث اليوم.
لو قرر الرئيس الامريكي ارسال قوات برية الى ايران سيواجه بتمرد من الجنود في رفض الخدمة وهو يعرف ذلك بعد خدعة اسلحة الدمار الشامل في العراق واكتشاف الجنود انهم ادوات في حرب مصالح اقتصادية واصابة عشرات الالاف منهم بامراض نفسية وجسدية واعراض ما بعد صدمة الحرب PTSD و تشير التقديرات إلى” أن ما بين 15% إلى 30% من المحاربين الذين خدموا في العراق يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة” وباحصاءات امريكية ان عدد الجنود الذين انتحروا بعد الحرب اكثر من عدد الذين قتلوا في الحرب.
في العقيدة العسكرية الايرانية قد يملك العدو القدرة على توجيه الضربة الاولى وقد تكون مؤثرة لكنه لا يملك القدرة على التحكم بوضع خاتمة وهنا المعضلة الكبيرة أمام جيوش غير معتادة على حروب استنزاف طويلة في صراع منخفض الحدة Low-Intensity Conflict الذي يستنزف العدو بدل مواجهة برية شاملة مكلفة وجراح صغير مؤلمة للعدو بدل ضربة واحدة أمام أطراف عدة موزعة من بينها دول كبرى.
في الصراع منخفض الحدة لا توجد نهاية بل توجد منعطفات وصدمات وقد تلجأ للتفاوض في مرحلة ما لكن بعد أن يكون العدو قد دفع كلفة فاتورة غير متوقعة وباهظة كردع للمستقبل.
هذا النوع من الحروب يتعلق بالارادة أكثر منه بالسلاح ومع طول الوقت يفقد التفوق التكنولوجي ميزته أمام ظهور حركات احتجاجية كما في حرب فيتنام وشعارات” خيانة الناخب الأمريكي” التي بدأت تظهر.
من الواضح ان ايران قد تخفض عدد الهجمات بالصواريخ الاستراتيجية التي يفسرها العدو للاعلام وللجمهور على انه تدهور وضعف في قدراتها العسكرية بسبب الضربات، لكن هذه ليست الحقيقة بل خفض معدل الهجمات يعني الانتقال الى استراتيجية حرب الاستنزاف حيث عدد محدود من الصواريخ كل يوم على اسرائيل سيدخلها في دائرة حرب الاعصاب المدمرة وشلل اقتصادي ونزيف موارد واستدعاء احتياط وترك وظائف ووقف صناعات ومعامل.
بعد ان استوعبت ايران الصدمة القاتلة الأولى، انتقلت الآن من الكثافة الى الدقة، ومن الرد الفوري كما حدث في الساعات الأولى الى النفس الطويل والانتظار، وخلق القلق المستمر واغراق العدو في الاحتمالات وحالة عدم اليقين رغم الحرب النفسية الامريكية والغربية والعربية.
في تخفيض حدة الصراع تستطيع ايران الحصول على الوقت لاعادة بناء قدراتها الاستراتيجية. خفض الهجمات ليس ضعفاً كما يُفسر بل اسلوب ادخار لحرب طويلة لا تملك ايران ما تخسره بعد خسائر جسيمة في القادة الكبار لكن لدى الاطراف الاخرى ما تخسره وبدأت تظهر التصدعات بين الولايات المتحدة وبين الشركاء العرب الذين أفاقوا لأول مرة أن حياتهم وأمنهم لا يعني شيئاً لأمريكا بل هم محطات وقود ومصارف ومطارات ومخازن سلاح وأوكار تجسس وقواعد عسكرية وعليهم البحث عن بدائل اذا كانوا يملكون الارادة عندما تضع الحرب أوزارها.
يمكن القول ان انهيار توقعات الولايات المتحدة واسرائيل من الضربة المؤلمة الأولى والرهان على شل القدرة العسكرية والانتقال الى فوضى الشوارع، يعكس فشل هؤلاء في فهم العقل الايراني وتقاليد الشعوب غير الاوربية وهذا الفشل أسس لفشل عسكري لحرب كان يمكن تجنبها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى