رؤي ومقالات

ميخائيل عوض يكتب : حرب يوم القيامة في يومها الثاني من صدمة الضربة إلى تفعيل ميزان القوى .. أصحاب الرايات يتقدمون .. !!!

حرب يوم القيامة في يومها الثاني من صدمة الضربة إلى تفعيل ميزان القوى ..  أصحاب الرايات يتقدمون  .!!

ميخائيل عوض / لبنان

من  «حرب يوم القيامة»،  لحظة مفصلية في مسار صراع ممتد، لحظة اختبار لإمكانية إعادة تشكيل عرب جدد وإقليم جديد .
الحرب في عصف يومها الثاني، وفق هذا المنظور، ليست جولة ردع تقليدية، ولا عملية عسكرية محدودة الأهداف، بل محاولة حسم وجودي سريع من جهة، في مواجهة رهان على الصمود وتحويل الزمن إلى سلاح من الجهة المقابلة.
إننا أمام  حدثان مؤسسان الأول سقوط طائرات أمريكية في الكويت والثاني إعلان حزب الله في لبنان عن الدخول على خط المواجهة.
والسؤال :  ماذا يحدث عندما لا تؤدي الضربة الصاعقة إلى الانهيار المتوقع؟ عندما تُضرب القيادة ولا يسقط النظام؟ عندما تُقصف البنية ولا تتفكك الإرادة؟

*أولاً: سقوط طائرات F-15 فوق الكويت هو سقوط التفوق الجوي كفرضية مطلقة*

والحدث المفصلي تمثل بسقوط طائرات أمريكية من طراز F-15 فوق الكويت، فهو في سياق يتجاوز البعد التقني إلى البعد الرمزي–الاستراتيجي.
فبغض النظر عن السبب سواء كان إسقاط مباشر، تشويش كهرومغناطيسي، أو خلل نتيجة إغلاق مجالات نيران أو سوء تنسيق  فإن الدلالة التي يبني عليها هي أن هذا الحدث مؤشر كسر صورة السماء الآمنة
واهتزاز مفهوم «الحرب بالذراع الطويلة » و انتقال المعركة من نموذج الضربة الصاعقة إلى نموذج الاشتباك المكلف.
والتاريخ يعيد
كما حصل في حرب تشرين 1973 حين بدا التفوق الإسرائيلي مطلقاً قبل أن تتساقط الطائرات الإسرائيلية كفراش فوق قنديل بفعل جدار الصواريخ للجيش العربي السوري وقتها.
في الحروب الحديثة، التفوق الجوي هو العمود الفقري لاستراتيجية الحسم السريع. فإذا تبيّن أن المجال الجوي ليس مضموناً بالكامل، فإن استراتيجية «قطع الرأس ثم الانهيار» تسقط بالكامل.
إن هذا الحدث سيغير في مسارات الحرب وتوقع معادلاتها وإن كان يحسم أنها لن تكون حربا” سريعة أو نظيفة بل ستحمل تطورات فرط استراتيجية.

*ثانيًا: لبنان كجبهة حتمية أم اختيار تكتيكي؟*
الحدث الثاني المؤسس هو إعلان حزب الله عن دخول المواجهة بشكل رسمي.  إن الاعتداءات الإسرائيلية الواسعة على لبنان، خاصة الضاحية الجنوبية والجنوب لم تتوقف منذ إعلان وقف إطلاق النار ويربط ذلك بسياق أوسع  السجال الداخلي اللبناني الذي التزم طول الفترة الماضية بعنوان سحب السلاح  و«التوريط».
أما في القراءة الاستراتيجية المطروحة، فالمعادلة مختلفة
هل كان لبنان مستهدفاً أصلاً بغض النظر عن مستوى الانخراط؟
هل كان قرار توسيع المسرح قائماً مسبقاً؟
هل تورّط حزب الله؟
أم أن قرار «تطبيش لبنان» كان متخذاً سلفاً بغض النظر عن السلوك؟
إن الاستهداف الإسرائيلي كان سيقع سواء وُجد التصعيد من طرف حزب الله أم لا.
لأن  اهمية دور جبهة لبنان في الحرب من منظور عسكري، فاستهداف قواعد دفاع جوي أو رادارات من جبهة أقرب يحقق وظيفتين مركزيتين أولاً، استنزاف منظومات الاعتراض عبر فرض إشباع ناري  يؤدي إلى إنهاك مخزون الصواريخ الدفاعية وطاقم التشغيل؛ وثانياً، فتح ثغرات اختراق زمنية  تسمح بمرور موجات نارية أثقل وأكثر دقة نحو الأهداف الحيوية في العمق.
مما يجعل الجغرافيا اللبنانية تتحول إلى عمق ناري متقدّم ضمن مسرح العمليات، يضغط مباشرة على المجال الحيوي للخصم ويقلّص زمن الإنذار والاستجابة لديه.

*ثالثًا: ضربة قطع الرأس والنتيجة المعاكسة…أول نصف ساعة حسمت المسار*
إن لحظة الخطورة والعصف وتقرير مصير الحرب كان في أول نصف ساعة من الضربة الأولى التي استهدفت تصفية قيادات عليا، إرباك مركز القرار،تحفيز انشقاقات داخلية و
دفع الشارع إلى الحركة، ثم
فرض تفاوض بشروط المنتصر.
هذه كانت خطة وتصور ترامب نتنياهو لكن ما حصل أنه ومنذ الساعة الأولى أظهر الواقع معطيات مختلفة استمر تماسك القيادة وبدء رد صاروخي منظم ومركز ودقيق واتساع دائرة الاشتباك بدلاً من انكماشها.
إضافة إلى عدم حصول انهيار داخلي أو انشقاق في صفوف الإصلاحيين أو المحافظين.
كل هذه الوقائع دللت بشكل قاطع على فشل الضربة في تحقيق أي من أهدافها
لأن الحروب لا تُقاس فقط بعدد الأهداف المصابة، بل بمدى تحقق الغاية الاستراتيجية من استخدامها.
وفي الوقت الذي حصل فيه هذا العدوان بناء على مصفوفة توقعات وربما آمال عند نتنياهو وترمب كانت إيران تدير المشهد بثبات ودقة وفق خطة معدة مسبقًا.

*رابعًا: توسّع مسرح العمليات — من المحلي إلى فوق الإقليمي*
إننا سنكون أمام نموذج حرب شبكية متعددة الجبهات، لا مركزية فيها.
في هذا النموذج الجغرافيا تلعب لصالح «أصحاب الأرض»،
اللوجستيات البعيدة مكلفة و
الاستنزاف الزمني يعكس ميزان القوة.
من أبرز ما نراه  في اليوم الثاني للحرب هو انخراط جبهة لبنان، استمرار انخراط العراق بعد استهدافه، توسيع دائرة الضربات الإيرانية لتشمل قواعد  في قبرص  إلى وجود جبهات لازالت كامنة وستنخرط قريبا كسوريا. وأن اليمن له دور محوري حاسم ينتظر وقته. كل هذه الجبهات فاعلة ومغيرة في المسارات
في المقاب احتمالات انخراط أطلسي  وأنغلوساكسوني أوسع ولكنه لن يغير من نتائج الحرب ولن يكون له تأثير حيوي على مساراتها.
في النظريات الاستراتيجية، نجاح الضربة الأولى يُفترض أن يؤدي إلى انكماش الخصم.
أما إذا اتسع المسرح بعد الضربة، فذلك يعني أن الرد لم يُشل، بل أعاد توزيع نفسه.
وهنا تظهر معادلة أساسية
كلما طال أمد الحرب دون تحقيق الحسم، تحولت الأفضلية تدريجياً لمن يملك عمقاً جغرافياً وسكانياً وزمنياً وهذا ما تملكه إيران بالضبط.

*خامسًا: البر الحاسم وسلاح الزمن*
في التحليل خبرات فيتنام، أفغانستان، والعراق
قاعدة تاريخية
الحرب الجوية وحدها لا تسقط أنظمة متماسكة ما لم تُستكمل بقوة برية أو انهيار داخلي.
في اليوم الثاني، وفق المعطيات التي يستند إليها الخطاب لم يظهر انهيار داخلي ولم تنخفض وتيرة الرد الإيراني بل زادت حدة وتوسعا” ولم تنكفئ الجبهات بل زاد عددها.
هنا يتحول الزمن إلى متغير استراتيجي حاسم كل يوم صمود إضافي يزيد الكلفة على الطرف البعيد لوجستياً وسياسياً.

*سادساً: ترامب قد ينسحب من الحرب*
بعد  تحول نبرة الخطاب الأمريكي من إعلان إسقاط النظام إلى دعوات للتفاوض إلى الحديث عن «اتصال محتمل». ومن ثم الحديث عن طلب ترامب وساطة من إيطاليا رفضتها إيران بأعلى هرمها القيادي اليوم بشكل كامل. ولأن ترامب  تاجر صفقات فمن الممكن جدا أن يفاجئ العالم بإعلان انسحابه وليكمل نتنياهو الذي ورطه حربه الخاسرة.
انه في الحروب الوجودية، تغير النبرة مؤشر لا يقل أهمية عن حركة الصواريخ
فإذا كان الرهان على صدمة تؤدي إلى انهيار سريع، ولم يتحقق الانهيار، يصبح الاستمرار في التصعيد قراراً أكثر كلفة من التراجع التكتيكي.

*سابعاً: لليوم الثاني «أصحاب الرايات» يتقدمون*
في نهاية اليوم الثاني يقوم على عناصر موضوعية العمق الجغرافي الإيراني، البيئة العقائدية المتماسكة،القدرة على إعادة إنتاج القيادة ونقل مراكز الإنتاج والتخزين إلى مناطق نائية والتحمل الزمني مقابل الكلفة العالية للطرف البعيد.
كل هذه العوامل مجتمعة مع تصاعد العمل العسكري الدقيق والموجه وانطلاق حرب فوق إقليمية وخارج الحسابات. وأنه برغم جولات التصعيد الإمريكية لم تنخفض مناسيب جولات التصعيد الإيراني بل زادت وتيرتها
كل هذه المعطيات تؤدي إلى أن أصحاب الرايات يتقدمون.

الحروب الوجودية لا تُحسم بالضربة الأولى، ولا تُقاس بعدد الأهداف المصابة في الساعات الأولى. تُحسم عندما يتبيّن أي الطرفين قادر على تحويل الزمن إلى حليف.
اليوم الثاني -كما تعكسه المعطيات   لم كان  يوم سقوط الخطة التي حصلت الحرب بناء عليها . سقطت فرضية الانهيار السريع، وسقط معها وهم الحرب النظيفة الخالية من الكلفة.
عندما لا يسقط النظام بعد الصدمة،وعندما لا تنكفئ الجبهات بل تتسع، وعندما لا تتوقف الصواريخ بل تنتظم،
فإن الحرب تدخل طوراً جديداً.
الطور الذي تصبح فيه الإرادة مورداً استراتيجياً، ويصبح الصبر سلاحاً، ويصبح الزمن ساحة قتال بحد ذاته.
قد لا يكون اليوم الثاني قد حسم المعركة، لكنه بالتأكيد أعاد تعريفها فمن حيث أرادوها حربا” بسيناريو هوليودي كانت إرادة المتمسكين بتنفيذ وصية قائدهم أن يكون واقع رعب ينتظرون فيه اغراق حاملات طائراتهم وانكسار هيبة جيشهم.

🖋 ميخائيل عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى