
في زمن الخداع يُصبح قول الحقيقة عملًا ثوريًّا* جورج أورويل.
في مقال” الفاشية الأبدية” للروائي وعالم اللسانيات الايطالي امبرتو ايكو مؤلف رواية” اسم الوردة” التي اثارت غضب الفاتيكان لأنه قدم سردية مختلفة عن عالم الرهبان، يقول إيكو ان الفاشية “تنتقل” عبر اللغة من خلال تبسيط المفاهيم كوطن وشعب وحق وتاريخ والخ رغم جذورها الاقتصادية والسياسية والعرقية.
وعندما يتم تقليص اللغة يتم تقليص مجال التفكير الذي ينحصر في شعارات محدودة وتحب النظم الفاشية والاحزاب الشمولية الكلمات القاطعة المختصرة كبطل وخائن وشريف ومنحرف ونعم أو لا ومعنا او ضدنا وفي هذا الاختزال تضيع حقائق كثيرة وتختفي تفاصيل هائلة تصنع الحدث ولا يظهر سوى العنوان. العقل المؤدلج مخصي فكريا وعاجز عن التفكير بل ملقن واجتراري ولا يستطيع بناء شخصية مستقلة خارج القطيع.
مع تقليص اللغة يتم تقليص المعنى وتصبح البطولة هي التضحية من أجل نظام فاشي ومن لا يتكلم بلغتها هو كائن غير طبيعي يجب ان يحذف من الوجود او يعالج في مصح عقلي لان لغة الفاشية لغة جراحية استئصالية لا تتحمل وجهات نظر مختلفة ولا احتمالات بل لغة قاطعة جازمة يقينية.
في سنواته الأخيرة حذر امبرتو ايكو من وسائل التواصل الاجتماعي التي منحت”جيوشاً من الحمقى” حق الكلام نفسه الذي يتمتع به حائز على جائزة نوبل” ويرى ” أن الفاشية الجديدة تستخدم “حرية التعبير” لإنتاج ضجيج يغطي على الحقيقة، مما يؤدي إلى ضياع المعنى وسط سيل من الشتائم والمعلومات المضللة”
الحقيقة لا تموت في الصمت دائماً بل في الضجيج والكلمات الفارغة وخيانة اللغة عندما تتحول الى أداة اقصاء لا تواصل .
الأخلاق كما يرى إيكو تتطلب وجود الآخر وبلا آخر لا أخلاق. لكن حضور الاخر المختلف ليس كديكور وزي بل كشريك وفاعل له الحق في الاختلاف البناء.
اللغة من وجهة نظره ليست نقل معلومات بل ميثاق شرف أخلاقي بين البشر وعندما ” يخون” طرف هذا الميثاق ويكذب، ينهار الأساس الإجتماعي نفسه.
الكذب خيانة أخلاقية ولغوية لأن الكذب بؤرة تجمع كل الرذائل مجتمعة عكس المنافق مثلاً الذي لا يخون أو اللص الذي لا يكذب لكن الكذاب يمارس كل ما هو منحط وشرير بلغة تبرره. الكذب ليس عكس الصدق كما هو سائد في التعريف بل هو تحريف الواقع وبناء صورة مزيفة للحقيقة.
تجميل القبح والكذب والخداع خيانة لغوية واخلاقية لأن الصدق ليس إحتراماً للحقيقة فحسب بل للنفس وللآخرين وعندما ينهار هذا العقد ، تنهار كل الأسس الأخرى.
كيف نتواصل بلا عقد شرف في أن نكون صادقين؟ من الصعب جدا أن من يكذب على الآخرين أن يكون صادقاً مع نفسه بل هي عملية ” تدمير ذاتي” نفسي وجسدي.
كيف يتواصل الفرد مع نفسه بلغة مزيفة؟ لذلك يضطر لبناء” نسخة وهمية” عن نفسه. الصدق مع النفس يقتضي الشجاعة والكذاب في الجوهر شخص محطم واستعراضي يحاول بناء شخصية مضخمة من خلال الكذب.
” أن تكون صادقاً، يعني أن تكون دقيقاً” يقول إيكو والتلاعب بعقول الآخرين من خلال اللغة يحول الكذب الى جريمة لأنه يدفع الناس في اتجاهات خادعة وقد تكون مدمرة.
تكون اللغة جريمة عندما نضع العناوين الكاذبة لجرائم كالقول ان هذه الحرب من أجل السلام وان القتل مبرر حتى لو ذهب ضحيته عشرات أو مئات العزل والأطفال أو نسمي الاستبداد بالاستقرار أو قتل عوائل نائمةباضرار جانبية أو معلومات خاطئة وليست جريمة وحشية.
اللغة تحدد مجال الخيال والتفكير وكلما تقلصت مفرداتها تقلصت المعرفة وتتحول الرؤية الى ابيض واسود وجيد وسيئ وتغيب التفاصيل ويمكن لهؤلاء الحصول على فرصة واسعة للتعبير لكن مع عدم قدرة على التفكير واللغة الغنية بالمعرفة والثقافة تسمح بالانتقال الى عالم اوسع يشمل الكون.
نحن في عالم يبسط القضايا المعقدة ويحولها الى شعارات للهضم والخداع كما تفعل النظم والاحزاب الشمولية. اللغة الضيقة تؤدي الى معرفة ضيقة وضئيلة. ضيق اللغة يعدم الاحتمالات ووجوه الحقيقة المختفية والالوان الخلفية والجزء المخفي من الحقيقة وغير المروي.
في وسائل التواصل لم يعد الصدق هو المعيار يقول ايكو بل صار الانتشار هو المعيار. يكفي صورة في وضع اغراء لحمقاء أن يجلب جمهوراً واسعاً لا يحظى به مفكر أو مثقف أو عالم. لم تعد الشهرة تحتاج الى علم ومعرفة ومشقة وصبر وابداع بل تحتاج الى وقاحة.
كيف تكون صادقاً في هذه المتاهة من الأكاذيب في عالم ضاج بالاخبار المتناقضة والخادعة والذكية؟ الجواب في ثبات الأحاسيس والغربلة والفحص والتريث والسؤال وليس التصديق الفوري أو” الخفة العقلية”.
بناء عقل تأملي عقلاني هادئ في مجتمع يتطلب ردودا فورية عملية شاقة. العوائل والمدارس وحتى محطات التلفزة تشجع الاجابة الفورية بدل تنمية العقل الاستراتيجي في التفكير وغالبا ما نسمع مقدم برنامج يقول للضيف:
” عندك 10 ثواني للاجابة” لا تكفي رمشة عين وهو فخ وعنف لغوي يلغي التعقيد في الاحداث ويبسطها في جمل وتحويل الحوار الى مبارزة ويصبح رد الفعل السريع بديلاً عن الذكاء وعن الحقيقة.
كل النظم الدكتاتورية والفاشية تستعمل اللغة في الكلام عن” الوحدة الوطنية” كغاية مقدسة لكن الوحدة لا تلغي التنوع واذا كانت وحدة قهرية تتحول الى وحدة بوليسية وتتواجد في صمت المقابر.
تلجأ هذه النظم وحتى الاحزاب الى استعمال نماذج مستأجرة ضحلة وسطحية لاعلان حرب لغوية واعادة تزييف المواقف من خلال تصوير المختلفين كمرضى واستعمال لغة الاستقطاب مع أو ضد،.
اذا كانت اللغة قادرة على تزييف الواقع، فإنها قادرة على نقل الحقيقة أيضاً.
ــــــــــــــ مقال” الفاشية الأبدية” ضمن مقالات في كتاب ترجم للعربية بعنوان” دروس في الأخلاق” والعنوان الأصلي: خمس قطع أخلاقية” (Five Moral Pieces) من بينها مقال عن حرب الخليج الثانية 1990 وتزييف الاعلام للحقائق.