
يتساءل الكثيرون في الحرب المستعرة الآن بين ايران والولايات المتحدة واسرائيل عن الموقف الصيني والروسي وساضيف لهما الموقف الفيتنامي، ويبدو ان الثقافة العربية التي “تتزين” بديباج النخوة والفزعة والوقوف مع الحق …الخ من مفردات الخلط بين “القيم السياسية ” و “القيم الفردية “، عاجزة عن الفكاك من هذه النظرة.
ويزداد المشهد تعقيدا بالارث الآيديولوجي بخاصة الماركسي الذي يتغذى على مقولات ماوتسي تونغ “الامبريالية نمر من ورق”، واقوال خرتشوف “سندفنكم” وصيحات هوشي منه عن حتمية مناصرة للشعوب المقهورة ..الخ، لكن هذه الدول الثلاث اعتراها تغير عميق للغاية في سُلَّم منظوتمها القيمية ،ويتمثل ذلك في تسلل المنظور البراغماتي القائل بأن ” الفكرة صحيحة بمقدار النفع المترتب عليها ” لا بمقدار الاتساق مع المنظور الاخلاقي ، فالدول الثلاث تعترف اعترافا قانونيا وواقعيا باسرائيل وتقيم معها علاقات متنوعة في كل المجالات رغم ان اسرائيل افراز واضح للسياسات الامبريالية، فالهجرات اليهودية من روسيا لفلسطين لم تنقطع زمن الاتحاد السوفييتي وزمن روسيا ، والتعاون وصل الى حد المقايضة الروسية على النظام السوري مقابل بقاء القواعد العسكرية الروسية ،ولاسرائيل نصيب كبير واستراتيجي في مشروع الحزام والطريق الصيني ، وفيتنام هوشي منه والجنرال جياب تراوح بين المرتبة الثانية والثالثة في ترتيب مشتريات السلاح من اسرائيل، لقد طوت هذه الدول ملف الآيديولوجيا لصالح “النفع المباشر” رغم انه فوق جثث الفلسطينيين. بل ان هذه الدول الثلاث تقف في ذيل دول العالم من حيث نسبة المساعدات المالية لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين او لبقية الهيئات الدولية التي تقدم المساعدات للفلسطينيين.
ان التساؤل عن الموقف الروسي والصيني والفيتنامي في الحرب مع ايران يرتكز على ذاكرة تاريخية محشوة بالآيديولوجيا، لكن التحديثات الاربعة في الصين تقوم على شعار علقه المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي الصيني في قاعة المؤتمر يقوم على “ليس مهما لون القط ،المهم ان يصطاد الفئران”، ومنذ غورباتشوف حتى الآن والنزعة البراغماتية في روسيا تتعمق اكثر فاكثر، بل ان الكسندر دوغين لا يرى ايران الا من منظور توظيفها في الصراع “مع القوى البحرية وكسند للتوجه الجيواستراتيجي المتمثل في الكتلة الأوراسية، ولعل علاقاته دوغين مع حركات يهودية مثل حركة (MAOF ) منذ 1998 بقيادة بوخارسكي وحركة بياد إرتزينو بقيادة الحاخام افرام شموليفتس مؤشر على هذه التوجهات ،بخاصة ان للحركتين علاقات بالليكود، ويميل دوغين الى تفهم الموقف التركي من اسرائيل لأن “مصالح تركيا اقوى من نزعتها الدينية” ،وهو ما يعيدنا لفهم براغماتي للصراعات الدولية.
اما فييتنام التي شكلت نموذجا مؤثرا لدى النخب العربية على اختلاف توجهاتها، فانها اعلنت اعترافها باسرائيل منذ 1993، رغم انها تعلم علم اليقين ان هذه الدولة قامت على اراض فلسطينية وعلى حساب حقوق الشعب الفلسطيني الذي كان في طليعة القوى الشعبية المساند لفيتنام خلال ثورتها، ومنذ 1993 والعلاقات التجارية والتقنية والعسكرية بين اسرائيل وفييتنام تسير بشكل خطي متصاعد في اغلب الفترات وتم التوقيع على منطقة تجارة حرة بينهما عام
2024.
بالمقابل فان علاقات هذه الدول الثلاث مع ايران جيدة ايضا ، ففيتنام فتحت سفارتها في طهران 1997، اي بعد اكثر من 18 سنة على قيام الثورة الايرانية (رغم الاعتراف الفيتنامي بالثورة الايرانية في 1979)، كما ان علاقات الصين وروسيا مع ايران علاقات متطورة في ميادين متعددة ،ناهيك عن أن عددا من التنظيمات الجيواستراتيجية تجمعهما ، بل ان ايران متهمة بانها تزود روسيا بالطائرات المسيرة خلال الحرب الاوكرانية.
ماذا يعني ذلك؟
يبدو ان دبلوماسية التبديد(De-hyphenation) القائمة على تغليب المنظور البراغماتي هي التي تفسر سلوك الدول الثلاث، وتقوم هذه الدبلوماسية التي يتبناها ويطرحها الاستراتيجيون الهنود على “اولوية الحفاظ على مصالحي مع الطرفين المتخاصمين ورفض التضحية بأي من المصلحتين بحجة الحق والباطل “، لذا فالهند لها حوالي 9.5 مليون عامل في الخليج ، ولها علاقات وثيقة مع اسرائيل ،ولها علاقات مع ايران ومع اسرائيل ،فهي تعمل على عدم التضحية بأي من المصالح بين المتصارعين ، وهذا يعني ان تطبيق دبلوماسية التبديد يدفع روسيا والصين وفييتنام للعمل على عدم التضحية بالعلاقة مع اسرائيل من اجل ايران، وبالمقابل عدم التضحية بايران من اجل مصالح اسرائيل”، وهو ما يعني ان مفهوم القانون الدولي والقيم الاخلاقية والحق …الخ لم يعد لها اي مكان، فالامر ليس” فزعة ونخوة وشهامة”، وانما على العرب ان يتبنوا دبلوماسية التبديد ، وبمنظور عقلاني لا بمنظور “العقل الباطن” ، وترتيب المصالح على اساسين استراتيجيين هما :
اولا : تحديد المصالح العربية على اساس اولوية مصالح المجتمع والدولة لا مصالح النظم السياسية ، فالعرب يبنون سياساتهم على اساس اولوية مصالح النظام بينما الدول الاخرى تجعل الاولوية لمصالح المجتمع والدولة
ثانيا : بناء التحالفات مع القوى المركزية في المجتمع الدولي على اساس تدعيم مصالح المجتمع والدولة لا على اساس القوى التي “تضمن لي البقاء في السلطة ” بغض النظر عن فائدة الدولة والمجتمع ، واعلم ان دبلوماسية التبديد بحاجة لحسابات دقيقة وببيض النمل كما قال لينين وليس بصراخ العقل الباطن…هل احتاج هنا الى ربما.