كتاب وشعراء

للعيد وجهٌ آخر.. بقلم القاصَّة: نجاح الدروبي

قصة للأطفال

… خرج الأولادُ بعد الساعة العاشرة ليودِّعوا ضيفهم العزيز “شهر رمضان” في آخر ليلةٍ له، فإذا بالسَّماء الصافية تضحك لهم، وتُنظِّمُ من أجلهم حفلاً كرنفاليَّاً مُضيئاً من مجموعة النجوم التي أخذت شكلاً مُعيَّناً، وراحت تلمعُ ببريقها الملوَّن كالثريَّا المتلألئة في السَّماء.
قال سعد: “يا الله ما أجملَ هذه الليلة!
أجاب الجميعُ: “نعم.. إنَّها ليلةُ العيد”.
ثمَّ أمسكَ كلُّ واحدٍ بيد الآخر، وشكَّلواحَلْقَةً صغيرةً من حلقات الفرح والمرح دون أن يشعروا بمرور الوقت الذي كان خفيف الظلِّ عليهم هذه المرَّة.
كانت أصواتُهم البريئة تتعالى كزقزقة العصافير وتغريد البلابل، لتدخلَ قلوب الكبار فتجعلهم يشعرون بالنشوة والفرح.
قال الأبُ: “تأخَّر الوقتُ يازوجتي.. علينا أن ندخلهم إلى البيت فإنني أخاف عليهم من برودة الجوِّ”.
هزَّت الزوجةُ رأسها موافقةً، ثمَّ ذهبت تناديهم.
لبَّى الأولادُ نداءَ الأمِّ الحنون التي رَبتَتْ على أكتافهم، طالبةً منهم غسل وجوههم وأيديهم والذهاب إلى النوم.
عندما أخذ كلٌّ منهم مكانه على الفراش الورديِّ كانت ثيابهم الجديدة تنام بجانبهم لتستيقظ باكراً مع أوَّل نجمة تغادر السماء، وأوَّل ديكٍ يُرسلُ صوته مع إشعاع الصباح الذي شقَّ ستار الظلام، ومزَّق ثوبه إرباً ليشهد بعينيه “سعد وأخوته الأربعة” منطلقين إلى دنيا المرح فلا يركبون إلا أحلى الألعاب ولا يأكلون إلا أنظف الطعام وأكثره صحَّةً لهم، مبتعدين عن الألعاب النارية التي تؤذي أسماعهم وتحمل الخطر لهم، حتى إذا ما انتهوا عادوا إلى بيتهم عملاً بنصيحة والدهم الذي طلب منهم ألا يتأخَّروا كثيراً.. وفي أثناء إيابهم شاهدوا منظراً جلب الغرابة لهم، إذ كان ثلاثة أطفال يسيرون حفاة الأقدام.. عليهم ثيابٌ رثَّة لا تقيهم حرَّ الصيف، ولا تغنيهم برد الشتاء.. يتجولون هنا وهناك يلتقطون الخبز اليابس الذي يجمعونه من الطرقات، ثمَّ يأكلونه.
لم يكن هناك منظرٌ أقسى عليهم من هذا المشهد، وكأنَّ الفرح قد طُعِنَ في قلوبهم والضحكة سُرقت من وجوههم، فإذا بنفوسهم تعتصرُ حزناً وكَمَداً، وإذا بعاطفة الإحسان تهزُّ مشاعرهم وتُحرِّك وجدانهم حتَّى تخلَّوا عن جميع الأموال المتبقِّية معهم وقدَّموها لهؤلاء لأولاد المساكين، الذين قهرتهم الظروف وعاكستهم الحياة، فإذا بشمس المحبَّة تشرق من جديد، وإذا بمياه السواقي تنشد أعذب الأنغام وأحلى الأغاني، وإذا بهم يعرفون وجهاً آخر للعيد.

بقلم: نجاح الدروبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى