
لم نسمع تحت ضجيج الحرب من يتحدث عن لوحات دافنشي او بيكاسو او كلود مونيه ولا من يضع أغنية أو موسيقى لكننا نسمع ونرى من يتحدث عن الطائرة الشبح وجمالها ودقتها في القتل بحيث يتحول القتل الى هندسة جمالية من طائرة الشبح مثلاً .
يجري وصف اسلحة الدمار كانها ايقونات أو لوحات فنية بل وصف الموت كذكاء للصاروخ بدلاً من الضحايا. لكن عندما يتلاشى الفن والموسيقى والادب فهذا يعني ان العالم دخل في مرحلة التدمير والتخريب بدل العاطفة الحية وتقديس الحياة.
يجري الغزل بطائرة الشبح Stealth Aircraft مثلاً بالرشاقة والدقة والاناقة والتخفي والتصويب الدقيق ــــــــــــــــ لمن؟ ــــــــــــــ وهذه اللغة المنحرفة تخلق حاجزاً نفسياً من التعاطف مع الفاجعة وتتحول رحلة طيرانها كنزهة في السماء وهذه اللغة المشوهة التي تتحدث عن جماليات القتل والتقنية والدمار لا تتحدث عن الجانب الأخلاقي.
في اللوحات الفنية للرسامين الكبار والقصائد الخالدة وأعمال الفن والأدب هناك حضور للانسان وإحتفال بالطبيعة لكن في الحديث عن جماليات الأسلحة الحضور الوحيد للانسان حضور الجثة والحريق.
هذا الغياب للانسان يحول الجريمة الى براعة والى قتل أبيض بلا دماء واضحة لأن الصواريخ الذكية لا تعرف الخطأ وهذا هو الانحطاط الجديد في اللغة الذي يعكس تدهور الروح البشرية بشكل غير مسبوق.
هذا الوصف القبيح لاسلحة الدمار اذا كان يعني شيئاً فهو يعني انكسار الوعي الانساني وفقدان البوصلة والحكمة.
تزييف الوعي يبدأ بتزييف اللغة وعندما نصف أدوات الموت كتحف جمالية ، فنحن لا نغير اللغة بل نحرّف النفوس ونضع نظارات مغبرة للعالم .
ماذا يعني وصف القصف الجوي على انه قصف دقيق وضربة جراحية وذكية؟ هذا الوصف يجعل الجريمة لعبة ماهرة وينزع عنها صفة الاجرام ويشوه الاحاسيس ويحول الجنون الى دهاء وشطارة. الهدف التستر على البشاعة. وسائل الاعلام جزء من منظومة الحرب بل لا تقل عنها خطراً.
صار جناح طائرة الشبح أهم من جناح طائر والقتل من السماء بلا وجه الضحية يجعل الجريمة باردة وصنعة كما لو تم استبدال لغة الدهشة من جمال الحياة والطبيعة والفنون بجمال القتل.
عندما يتم الحديث عن القتل وأدواته بهذه اللغة، لا يصبح المشاهد أو القارئ محايداً بل شريكاً في معركة وضحية صامتة وهو في المنزل لانه يرى الاحداث من وجهة نظر الطائرة أو الصاروخ أو القناة وهذا هو الاغتيال الخطير للحساسية بتحويل القتل الى عمل فني ويحول المشاهد الى ضحية جريحة كضحايا الحرب بزرع بنية عقلية مشوهة دون أن تعلم.
لكي تربح الحرب لا يكفي أن تقتل من في الميدان بل يجب قتل الروح الانسانية في التعاطف والغضب من الفاجعة وقتل المتفرج بوضع نظارات مشوهة يرى بها الحرب ” النظيفة” و” الدقيقة” ومع التكرار وهو قاعدة أساسية في وسائل الاعلام لفتح ثغرات في العقل البشري يصبح القتل عادياً ويتحول المشاهد الى مستهلك للجريمة.