
“أنا لا أخشى الموت، لكنني لا أريد أن أكون موجودًا عندما يحدث ذلك.”
— وودي آلن
لَمْ يَكُنْ يَخَافُ الْمَوْتَ.
كَانَ يَخَافُ اللَّحْظَةَ الَّتِي سَيُخْبَرُ فِيهَا بِذَلِكَ.
جَلَسَ ذَاتَ مَسَاءٍ أَمَامَ الْمِرْآةِ، يُحَدِّقُ فِي وَجْهِهِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِجِدِّيَّةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ:
“الْحَلُّ بَسِيطٌ… سَأَغِيبُ قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ.”
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، بَدَأَ تَنْفِيذَ خُطَّتِهِ الْعَبْقَرِيَّةِ.
أَلْغَى اشْتِرَاكَاتِهِ، حَذَفَ صُوَرَهُ، مَزَّقَ رَسَائِلَهُ الْقَدِيمَةَ، وَتَوَقَّفَ عَنِ الرَّدِّ عَلَى الْهَاتِفِ.
أَرَادَ أَنْ يَتَدَرَّبَ عَلَى الْغِيَابِ… تَدْرِيجِيًّا… دُونَ ضَجِيجٍ.
بَعْدَ أُسْبُوعٍ، لَاحَظَ أَصْدِقَاؤُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَضْحَكُ.
بَعْدَ شَهْرٍ، لَمْ يَعُدْ يُرَى.
بَعْدَ عَامٍ، صَارَ مُجَرَّدَ ذِكْرَى بَاهِتَةٍ فِي أَحَادِيثَ عَابِرَةٍ:
“أَتَذْكُرُونَهُ؟ كَانَ يَقُولُ أَشْيَاءَ غَرِيبَةً…”
ابْتَسَمَ — أَوْ هَكَذَا تَخَيَّلَ — وَهُوَ يُرَاقِبُ اخْتِفَاءَهُ مِنْ حَيَاةِ الْآخَرِينَ.
قَالَ فِي نَفْسِهِ:
“جَمِيلٌ… الْأُمُورُ تَسِيرُ كَمَا يَجِبُ. أَنَا لَمْ أَعُدْ مَوْجُودًا تَقْرِيبًا.”
مَرَّتِ السِّنُونَ.
لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَسْأَلُ عَنْهُ.
لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَذْكُرُ اسْمَهُ.
حَتَّى هُوَ نَفْسُهُ… نَسِيَ مَلَامِحَهُ.
فِي لَيْلَةٍ هَادِئَةٍ، جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ الْقَدِيمِ، يَشْعُرُ بِخِفَّةٍ غَرِيبَةٍ، كَأَنَّهُ فَرَغَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
لَا خَوْفَ. لَا قَلَقَ. لَا انْتِظَارَ.
هَمَسَ أَخِيرًا:
“نَجَحْتُ… لَنْ أَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَمَا يَأْتِي الْمَوْتُ.”
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ تَحْدِيدًا…
تَوَقَّفَ قَلْبُهُ.
لَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ لَمْ تَكُنْ فِي الْمَوْتِ،
بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ الَّتِي اكْتَشَفَهَا مُتَأَخِّرًا جِدًّا:
أَنَّهُ…
لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا أَصْلًا…
مُنْذُ أَنْ بَدَأَ الْهُرُوبَ.
فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، مَرَّ عَامِلُ الْبَلَدِيَّةِ قُرْبَ الْبَيْتِ، نَظَرَ إِلَى الْكُرْسِيِّ الْفَارِغِ وَقَالَ بِلَا مُبَالَاةٍ:
“غَرِيبٌ… هَذَا الْكُرْسِيُّ هُنَا دَائِمًا… لَكِنْ لَا أَذْكُرُ أَنَّ أَحَدًا جَلَسَ عَلَيْهِ يَوْمًا.”…!!.