كتاب وشعراء

كل يوم قصة من رمضان …أحمد سعود عوض

اليوم السادس والعشرون

ليلة السابع والعشرين

كان في الهواء تلك الليلة شيءٌ مختلف.
ليس بردًا، ولا نسمةً أقوى من المعتاد، بل سكونٌ خفيف يشبه الهمس، كأن الحيّ كله يعرف سرًّا لا يُقال..

في كل عام، حين تأتي ليلة السابع والعشرين من رمضان، يتبدّل شيء خفيّ في القلوب.
لا يتغيّر شكل البيوت، ولا الأزقّة، ولا حتى مصابيح الشارع الصفراء.
لكن الإحساس يصبح أثقل قليلًا… كأن الليل نفسه ينتظر.

بعد الإفطار بقليل بدأت الأبواب تُفتح.

خرج الرجال في جماعات صغيرة يتجهون نحو المسجد، يمشون بخطى هادئة كأنهم يسيرون إلى موعد قديم.
والنساء يسرن بصمتٍ يليق بالليالي المباركة، بينما يركض الأطفال في الأزقة، يضحكون، ويشعرون أن هذه الليلة مختلفة، حتى لو لم يعرفوا لماذا.

كان يوسف يمشي إلى جانب جدّه.

كان يمسك يده بإحكام، ويرفع رأسه ليرى الوجوه حوله.
الطريق الذي يسلكه كل ليلة بدا أطول من المعتاد، وأكثر ازدحامًا.
ناسٌ يأتون من كل الجهات، كأن المسجد صار فجأة أكبر مما كان.

عندما وصلوا، كانت الصفوف قد امتلأت.

وكان صوت الصفحات وهي تُقلب في المصاحف يملأ المكان مثل موجة همسٍ طويلة، تتردّد في الجدران.
جلس يوسف قرب جدّه، وأخذ ينظر إلى الوجوه من حوله.

وجوهٌ متعبة من يوم الصيام الطويل.
وجوهٌ غارقة في التأمل.
وجوهٌ يلمع فيها رجاءٌ خفيف، كضوء بعيد.

لكن شيئًا واحدًا كان يجمعهم جميعًا:
الانتظار.

اقترب يوسف من جدّه وهمس:

– ليش الناس كتير اليوم؟

ابتسم الجد ابتسامة خفيفة، ونظر إلى المسجد الممتلئ قبل أن يجيب:

– الناس بيقولوا… يمكن.

رفع يوسف حاجبيه بدهشة.

– يمكن؟

قال الجد بهدوء:

– ما حدا بيعرف أكيد.

ثم بدأت الصلاة.

ارتفع صوت الإمام بالقرآن، عميقًا وهادئًا، مثل نهرٍ يجري في الليل.
وقف الناس صفوفًا متراصة، وغمر المسجد صمتٌ كثيف لا يقطعه إلا صوت التلاوة.

مرّت الركعات طويلة.

بعض الرجال رفعوا أيديهم بالدعاء بعد كل ركعة.
بعضهم أخفى وجهه بين كفيه.
وبعضهم بكى بصمت، كأن قلبه وجد فجأة شيئًا كان يبحث عنه منذ زمن.

التفت يوسف أحيانًا إلى الصفوف خلفه.

رأى شيخًا مسنًّا يمسح عينيه ببطء.
كان يحاول أن يخفي بكاءه، لكنه لم ينجح.

تردد يوسف قليلًا، ثم همس:

– ليش عم يبكي؟

أجاب الجد بصوت منخفض:

– يمكن… لأنه حاسس إن الله قريب الليلة.

ظل يوسف صامتًا لحظة، يفكر في الجواب.

ثم اقترب مرة أخرى وسأل:

– إذا ما منعرف أي ليلة هي… ليش الناس كلهم جايين اليوم؟

سكت الجد قليلًا.
كأنه يبحث في الكلمات قبل أن يخرجها.

ثم قال:

– لأن الناس تحب تحس إنها قريبة من الرحمة.

رفع يوسف رأسه نحو نافذة المسجد.

كانت السماء صافية، والنجوم معلّقة في العتمة مثل مصابيح صغيرة.
وكان الليل ساكنًا بطريقة غريبة… كأنه يستمع.

قال يوسف بعد لحظة:

– يعني ممكن تكون ليلة تانية؟

أجاب الجد:

– ممكن.

فكر الطفل قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

– طيب إذا مو اليوم… يمكن تكون بكرا.

ضحك الجد بخفة، وربّت على كتفه.

وفي تلك اللحظة، ارتفع صوت الدعاء في المسجد.

لم يكن عاليًا، لكنه كان عميقًا، كأنه يخرج من قلوب كثيرة في وقتٍ واحد.
دعاءٌ يشبه الموجة… يرتفع، ثم يهدأ، ثم يرتفع من جديد.

نظر يوسف حوله مرة أخرى.
وجوهٌ لا يعرف أصحابها.
لكنها بدت مألوفة بطريقة غريبة.

ثم التفت إلى الشيخ الذي كان يبكي.
كان الرجل ما يزال يمسح عينيه ببطء، كأنه يخشى أن تضيع دموعه.

فجأة شعر يوسف بشيءٍ غريب في صدره…
كأنه يريد أن يبكي هو أيضًا، دون أن يعرف لماذا.

وفي تلك اللحظة خطر له أن ذلك الشيء الذي ينتظره الناس…

ربما لا يأتي مثل البرق في السماء.
ربما لا يُرى.
ربما يمرّ بهدوء، مثل نسمةٍ خفية.

يمرّ بين الصفوف،
ويمسّ القلوب التي فتحت أبوابها.

وربما…
لم يكن يمرّ في السماء أصلًا.

بل كان يولد،
هنا،
في هذا الصمت،
في هذه الدموع،
وفي تلك القلوب التي جاءت تبحث عن الرحمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى