كتاب وشعراء

قراءة في الأبعاد الفكرية والجمالية لنصوص الدكتور /عبدالله عياصرة… بقلم عصام الباشا

في زمنٍ تتكاثر فيه النصوص وتتشابه الأصوات، يبرز بعض الكتّاب بوصفهم حالاتٍ استثنائية، لا لأنهم يكتبون كثيرًا، بل لأنهم يكتبون بعمق. ومن بين هؤلاء، يبرز عبدالله عياصرة كواحدٍ من الأصوات التي أعادت للكتابة معناها الحقيقي، وجعلت من النص مساحةً للفكر لا مجرد وعاءٍ للعبارة.
إنّ قراءة كتاباته ليست فعلًا عابرًا، بل تجربة معرفية متكاملة. فحين يكتب، لا يقدّم أفكارًا جاهزة، بل يفتح أبوابًا للتأمل، ويضع القارئ في مواجهة أسئلته الخاصة. تتداخل في نصوصه طبقات المعنى، فتبدو العبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها كثافة فكرية تستدعي التوقف وإعادة القراءة.
تتميّز كتاباته بثراء معرفي واضح، غير أنه ليس ثراءً قائمًا على التكديس، بل على البناء. فهو يُحسن تفكيك الفكرة، ثم يعيد تشكيلها في سياقٍ أكثر اتساعًا وعمقًا. يربط بين الأدب والفلسفة، بين الحسّ الجمالي والوعي الفكري، فيقدّم نصوصًا متماسكة، متزنة، ومفتوحة على أكثر من قراءة.
ولا تقف قيمة تجربته عند حدود الفكرة، بل تمتد إلى اللغة التي يستخدمها. فهي لغة دقيقة، منضبطة، خالية من الزوائد، لكنها في الوقت ذاته قادرة على الإيحاء والتأثير. يمنح الكلمة موقعها، ويجعل لكل عبارة وظيفة، فلا يشعر القارئ بالترهل، ولا بالفراغ.
ومنذ معرفتي به منذ أيامٍ قلائل، لمستُ فيه تواضعاً يسبقُ مِدادَ قلمه. ورغم أن معرفتي به ما تزال محدودة، فإن قلبي لم يصبر على هذا الكاتب حتى أنصفه ببعض ما يستحق من التقدير، فكانت هذه الكلمات محاولةً أولى للوفاء، وإن بدت قليلة أمام قيمة ما يقدّم.
كما أن حضوره يتجلّى في قدرته على إثارة السؤال؛ فهو لا يسعى إلى إقناع القارئ بقدر ما يسعى إلى تحفيزه على التفكير، يضعه أمام احتمالات متعددة، ويترك له مساحة التأويل، وهذا ما يمنح نصوصه حيوية واستمرارية.
إنّ عبدالله عياصرة يمثّل نموذجًا للكاتب الذي يكتب بوعي، ويؤمن بأن الكتابة مسؤولية قبل أن تكون مهارة. لذلك تأتي نصوصه محمّلة برؤية، ومشحونة بفكرة، وقادرة على أن تترك أثرًا يتجاوز لحظة القراءة.
وفي هذا السياق، لا يبدو وصفه بـ”كنز من الكتّاب العرب” مبالغة، بل توصيفًا دقيقًا لتجربة غنية، تتشكّل بهدوء، وتؤسس لنفسها مكانةً راسخة في الوعي الثقافي. فهو من الكتّاب الذين لا تُنسى نصوصهم بسهولة، لأنهم لا يكتبون للقراءة فقط، بل للفهم، ولإعادة اكتشاف المعنى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. إلى هيئة تحرير العربي اليوم الكرام،

    أجد نفسي ممتنًّا لهذا الاحتفاء بنشر مقالي، وهو تقدير أعتزّ به، لما تمثّله منصّتكم من حضورٍ ثقافي ومساحةٍ تُنصف الكلمة الجادّة.

    إن قبولكم لهذا النص ليس مجرد نشر، بل دعمٌ حقيقي لكل كتابة تسعى إلى الوعي والعمق، مما يجعل “العربي اليوم” منبرًا يُعوَّل عليه في إثراء المشهد الثقافي.

    كل الشكر والتقدير لجهودكم.

    محبكم/عصام الباشا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى