
.
ما الموطِنُ الْحَقُّ؟ هَل فيهِ لنَا وَطَرُ؟
نَعَمْ.. هُوَ الرُّوحُ فِيهِ السِّرُّ مُسْتَطِرُ
سِرٌّ قَدِيـمٌ طَوَى الآفَاقَ فِـي جَـسَدٍ
وامتد فينا ، وَفِي أَلواحه خبرُ
تفِيضُ مِنهُ تراتيلٌ مُعمدةٌ
وَفِي حَنَايَاهُ طهرُ الرِّوحِ يَنْصَهِرُ
فَانظُر بِعَينِ جَلالِ الشِّعرِ هَل لَمَحَت
معراج أرضٍ عَلَيهِا الكَونُ يُخْتَصَرُ ؟
كَم مِنْ بلادٍ حَكَت عَنْ عِزِّهِا صُحفٌ
لَكِنَّهُا فِي مَهَبِّ الرِّيحِ تنْكَسِرُ
مَا كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ الحُسنَ جَوهَرُهُ
فِي النِّيلِ يَبْدُو وَفِي أَعمَاقِهِ الدُّرَرُ
قَامَت عَلَى النِّيلِ بِنتُ الحُسنِ تَسأَلُنِي :
هَلْ زُرتِ مِصرَ ؟ : أَنَا مِنْ ضِلعِهَا أَثَرُ
مَا مِصرُ رَسمٌ عَلَى الأَورَاقِ نَلمَحُهُ
بَل مِصرُ مِيقاتُ حُبٍّ.. كُلَّمَا ذَكَرُوا
هِيَ البِنَاءُ الذِي تَمَّت عَجَائِبُهُ
قَبلَ الوُجُودِ وَفِي أَلْوَاحِهَا سِيَرُ
هيَ المَدَى وَهِيَ الأَبْعَادُ فِي لُغَتِي
كَأَن سَأَلتِ دَمِي : هَل زَارَكِ النَّهَرُ ؟
نَعَم.. هِيَ الكعبةُ الأُولَى لمَلحَمَتي
وَالرُّوحُ فِيهَا قُبَيل الجِسمِ تَعْتمِرُ
لِذَاكَ لا تَعْجَبِي إنِّي بَنيتُّ بِهَا
من الخلود بما قد صَاغَهُ القَدَرُ
قَد زرتُهَا فِي نَشِيدِ الشَّمْسِ حِينَ علا
صوتُ الأذانِ إذا غنى لها الوترُ
خضرَاءُ حَتَّى كَأَنَّ النِّيلَ ساقيةٌ
لِلْحُبِّ ينمو به من عذبه الزَّهَرُ
هَذَا النَّخِيلُ أَمَامَ الظُّلمِ أَعْمِدَةٌ
وَذَا النَّسِيمُ أمام الغَدرِ مُسْتَعِرُ
قَدْ يَحسَبُونَ بِلَادِي.. رُقعَةً صَغُرَتْ
أَوْ حَيِّزًا ضَاقَ عَنْ أَبْعَادِهِ النَّظَرُ
لَكِنَّ مِصرَ سَمَاءٌ لا حُدُودَ لَهَا
نُورٌ تجلَّى وَفِي آيَاتِهِ عِبَرُ
مِصرُ اليَقِينُ إِذَا ضَلَّتْ بَصَائِرُهُمْ
وَهْيَ الملاذُ إِذَا مَا خَانهم بصرُ
كَمْ أَطْعَمَتْ مِنْ رَغِيفِ الْعِزِّ جِيرَتَهَا
وَفِي الشَّدَائِدِ كَانَتْ دِرْعَ مَنْ ذُعِروا
مِصْرُ الْعَمُودُ.. وَلَوْلا مِصْرُ مَا رُفِعَتْ
لِلْعُرْبِ خَيْمَةُ.. عِزٍّ شَادَهَا الْقَدَرُ
مِصْرُ الْمَلَاذُ إِذَا ضَاقَتْ بِكم سُبُلٌ
فيها الأمان وفيها الجود ينهمرُ
تاريخُها في جَبِينِ العُربِ مَأدبةٌ
وَكُلُّ مَنْ نَكَرُوا أَفضالها صَغُرُوا
مِصْرُ الَّتِي صاغتِ التَّارِيخَ من زمنٍ
وَكُلُّ مَنْ نَبَحُوا فِي ظِلِّهَا انْدَحَرُوا
هل يَنْقُصُ الْبَحْرَ.. يَوْمًا نَفْخُ ذِي سَفَهٍ
أَو يَطفئُ النَّجْمَ.. من خانوا ومن مكروا ؟؟
فَامْسِكْ لِسَانكَ لَا تَقْرَبْ حِمَى وَطَنِي
فَاللَّيْثُ يَغْضَبُ إِنْ ما مسَّه ضررُ
نورُ العلومِ من الفسطاطِ مُنبعثٌ
لولاه ما اكتملت في رأسِكم فِكَرُ
فَحَدَّقَت نحويَ السَّمرا وَقَد هَتَفَتْ :
مِنْ ريفِ مِصْرَ صَنَعْتُ المَجْدَ يا حضرُ
سَلي الزَّمَان : إِذَا مَا هَاج مَوْجُ رَدَىً
مَنْ صَان مِصْرَ ؟ وَمَنْ لِلمَجْدِ يَدَّخِرُ؟
هُوَ الجِهَادُ وَجَيشٌ لا يُغَالِبُهُ
ندٌّ رماهُ وَفِي آثَارِهِ سَقَرُ
مَا اهتَزَّ طِينٌ وَفِي أَركَانِهِ بَطَلٌ
يُسقِي التُّرَابَ دَمًا وَالنَّصرَ يَنْتَظِرُ
قَالُوا : الحُدُودُ؟ فَقُلنَا : نَبْضُ فِتْيَتِنَا
سُورٌ مِنَ النَّارِ لا يَرْقَى لَهُ بشرُ
تَمْضِي الفَيَالِقُ وَالتَّارِيخُ يَكْتُبُهَا
بِالصَّاعِقَاتِ إِذَا مَا اسْتُنْفروا عَبَروا
كَمْ مِن عَدُوٍّ رَمَى بِالهَدمِ قَلْعَتَنَا
فَعَادَ خِزْيًا وَلَم يُرْفَعْ لَهُ حَجَرُ
فِي كُلِّ شِبْرٍ لَنَا نصرٌ نجدده
وَمِن رَمَادِ العِدَى.. يُستوقدُ الشرر
جُندُ الكِنَانَةِ خيرُ الأَرْضِ قَاطِبَةً
هَذَا حدِيثٌ بِنُورِ الوَحيِ يَستَطِرُ
لا يَعْرِفُون هُرُوبًا عِنْدَ زَحفِهِمُ
إِمَا الخُلُودُ وَإِمَّا الفَتحُ وَالظَّفَرُ
( جَيشُ الكِنَانَةِ ) سُورٌ لا انْصِدَاعَ لَهُ
مِنْ هَيبَةِ الحَقِّ فِيهِ المَوتُ يَنْدَحِرُ
يا جَيشَ مِصرَ وَأَنتَ القَلبُ فِي جَسَدٍ
لَولاكَ مَا طاب لا زَرعٌ وَلا ثَمَرُ
تبْقَى الحُصُونُ وَيَبْقَى جَيشُنَا عَلَمًا
يَفدِي البِلادَ وَبِالإِيمَانِ يَنتصر
مَا كُنْتُ أَكْتُبُ إِلَّا وَالدُّمُوعُ دَمِي
تَفِيضُ حُبًّا إِذَا مَا مَسَّهَا خَطَرُ
أَنَا ابنَةُ النِّيلِ ثَوْبِي مِنْ جَلَالِ يَدِي
وَفِي مَلَامِحِ وَجْهِي يَنْطِقُ القمرُ
وَلِي مِنَ الـحُسْنِ أَلـغَازٌ مـُخَبَّأَةٌ
تَحْكِي تَفَاصِيلَ مَنْ هامُوا وَمَنْ صَبَرُوا
مِصْرِيَّةُ الرُّوحِ وَالأَحْلَامُ شَامِخَةٌ
مَا نَالَ مِنْ عَزْمِهَا عَصفٌ وَلَا كَدَرُ
سَأَزْرَعُ الشَّوْقَ فِي كُلِّ المَدَى نَغَمًا
وَأَنْحَتُ المَجْدَ مَهْمَا طَالَ بِي السَّفَرُ
وأَرْفَعُ الرَّايةَ الشَّمّاءَ دَاعِيَةً
تَبْقَيْنَ مِصْرُ.. وَيَفْنَى كُلُّ مَنْ غَدَرُوا
.