الحبيب المبروك الزيطاري: العائلة كانت الحاضنة الأولى التي سقت بذرة الشعر في روحي حتَّى أورقت وأثمرت

الشاعر التونسي الحبيب المبروك الزيطاري في حوار لجريدة العربي اليوم
بقلم: نجاح الدروبي
واحد من الشعراء المُهمِّين والأكثر حضوراً وعطاءً وتميُّزاً، كونه يتمسَّك بعمود الشعر العربي القديم، ويدافع عن أصالة الوزن والقافية في عصر النثر، مُعتبراً أنَّ القديم جوهر اللغة، وأنَّ التجديد يكمن في الطرح وإحياء الجزالة لا في طمس المعالم الموسيقيَّة.. لذا حاورناه حول تجربته الشعرية..
* متى تفتحت براعم الوعي الأولى لتبدأ طيور الشعر وأسراب الفراشات بالحوم حول نوافذ القلب وسهول الروح؟
** استمتعتُ بالشعر منذ طفولتي المبكرة، وتحديداً منذ ولوجي عتبات المدرسة واكتشافي لمادَّة “المحفوظات” التي كانت بوَّابتي الأولى لهذا العالم السَّاحر. كنت شغوفاً بحفظ القصائد المُقرَّرة، وأذكر أنَّ أوَّل ما انطبع في ذاكرتي هي قصيدة: “وردتي”:
“يا وردتي ما أجملك.. سبحان مَنْ قد أنشأك..
عيني تراك جميلة.. وقلبي يُسَرُّ بمنظرك”.
وكذلك قصيدة “مدرستي”:
“إليك يا مدرستي.. تحيَّة زكية
آتيك دوماً فرحاً.. في الصبح والعشيَّة
فارتقي منك.. إلى درجة عليَّة”.
أبهرني الإيقاع والقافية، وحاولت محاكاة تلك القصائد وأنا في الصف الثاني الابتدائي، فكتبت نصَّاً بعنوان: “إلى الفارس السجين” حاولت فيه ضبط الوزن والمعنى، وأرسلته إلى برنامج إذاعي للأطفال كان يبثُّ صباح كلّ أحد عبر الإذاعة الرسميَّة. كم كانت فرحتي عارمة حين قرأت المذيعة اسمي، وأثنت على قصيدتي، وشجَّعتني على الهواء مباشرةً، وهو ما لاقى دعماً كبيراً من عائلتي أيضاً.
بعد ذلك، تفرَّغت لدراستي حتَّى مرحلة الشباب، حيث كتبت بعض الخواطر وأقصوصة بعنوان: “يفنى العالم ويبقى الحبُّ”، نالت إعجاب معلمي وزملائي لدرجة شكَّكوا معها في أنَّني كاتبها. غبت عن السَّاحة الأدبيَّة لسنوات طويلة حتى التقيت بذلك المعلم صدفةً قبل عام، فأخبرته أنني صرت أكتب الشعر العمودي الموزون، فاحتفى بي ودعاني لصالونه الشعري.
أما بدايتي الحقيقيَّة فكانت عبر “الفضاء الأزرق” قبل ست سنوات، حيث نشطت في منتديات أدبيَّة على فيسبوك، وبدأت أكتب شعراً يعتمد الإيقاع والقافية، ثم أسَّست “منتدى العرب للفكر والشعر والأدب” الذي أديره حتى الآن. ومع مرور الوقت، قرَّرت صقل موهبتي بالعروض، مستفيداً من نصائح شعراء من فلسطين وسوريا والأردن ومصر، حتى تطوَّرت أدواتي وفزت بالجائزة الأولى في “ملتقى الشام الثقافي العالمي” عن قصيدة في حبِّ سوريا. واليوم، أشارك في مسابقات عديدة، وحصلت على جوائز في الشعر العمودي والشعبي وكتابة الأغاني، كما أسَّست نادي “مرايا الكتب والشعر والأدب” في المكتبة الجهوية بنابل.
* لكلِّ مبدع يد خفيَّة تدفعه نحو الضوء.. مَنْ كان السند الأول الذي آمن بموهبتك في تلك البدايات المبكرة؟
** الحقيقة أنَّ الامتنان الأكبر يعود لنبع الحنان، أمِّي – رحمها الله – التي كانت المشجِّع الأوَّل والأكبر لي. رغم أنَّها لم تكن تقرأ أو تكتب، لكنها كانت تملك بصيرة القلب، فكانت تستشعر جمال ما ألقيه وتفرح بنجاحي وكأنَّها تقرأ السطور بوجدانها الصافي. كما لا أنسى دور أختي التي كانت قريبة منِّي جدَّاً، تدعمني وتدفعني للمواصلة بكلِّ حبٍّ؛ فالعائلة كانت الحاضنة الأولى التي سقت بذرة الشعر في روحي حتَّى أورقت وأثمرت.
*ينهل كلُّ شاعر من حقول معرفيَّة غنيَّة، يجمع فيها بين الماضي التليد والحاضر المعاصر.. بالنسبة لعطر مفرداتك، بمَنْ تأثرت؟
** كنت قارئاً نهماً منذ صغري، أطالع كتب أخوتي الكبار في الأدب والشعر، ما جعل وعيي يسبق سنِّي. تأثَّرت بأقطاب الشعر في تونس مثل: “أبي القاسم الشابي، جعفر ماجد، نور الدين صمود”.
أما في الشعر الكلاسيكي القديم، فقد نهلت من بحور “ابن زيدون، عمر بن أبي ربيعة، المتنبي، عنترة، أبي فراس الحمداني، أبي العتاهية، أبي نواس”. وفي العصر الحديث، تأثَّرت “بأحمد شوقي، جبران خليل جبران، الرصافي، الأخطل الصغير، غادة السمان، مي زيادة، بدر شاكر السيَّاب”.
هذا المزيج، بالإضافة إلى الاحتكاك بشعراء المشرق والمغرب عبر منصَّات التواصل، ساهم في صقل موهبتي ورسم دربي؛ فأنا أكتب الشعر بالطريقة الكلاسيكية لكن بروح حداثيَّة، متبنِّياً مفردات رشيقة وبسيطة تصل إلى وجدان المتلقي بمختلف فئاته.
* من خلال إصداراتك.. هل وصلت إلى طموحك في الشعر؟ وما هو العمل الأهم في مسيرتك ولماذا؟
** لا أستطيع القول: إنَّني وصلت، بل أقول إنني “بدأت” للتو؛ لأنني الآن فقط بدأت أشعر بنضج قصائدي والرضا الشخصي عنها. حتى الآن، اقتصرت منشوراتي على دواوين جماعية وصحف تونسية وعربية ومجلات إلكترونية، لكنني أنتظر بفارغ الصبر ولادة مجموعتي الشعرية الأولى بعنوان “همسات المساء” التي أرسلتها للطبع قريباً.
طموحي يتمثل في مشروع ضخم أدرجه تحت عنوان “ألف قصيدة وقصيدة”، وسيكون عبارة عن سلسلة مجموعات شعرية متتالية تضم مئات القصائد التي كتبتُها وتنتظر النشر. ورغم أن تكاليف الطبع باهظة والمردود المادي غائب، إلا أنني آمل أن يمد الله في العمر والصحة لأحقق هذا الحلم وأترك بصمة أدبية باقية.
*عادة ما يولد التساؤل الوجودي في لحظة تأمُّل لفكرة عميقة.. بمَ تبدأ قصائدك؟ وما أهمية أن تكون الموسيقى لامسة لأبجدية الوجدان؟
** أؤمن بمقولة “كلام القلوب إلى القلوب يسري”؛ لذا فإنَّ كتاباتي تنبع من الوجدان مباشرةً. أنا لا أخطِّط للكتابة، بل هي التي تأتيني في لحظة انهمار القريحة وتوهج الحالة النفسية والشعورية.
أغلب ما أكتبه هو انعكاس لواقعي “المحسوس” وليس بالضرورة “المعاش”، فثمَّة فرق بين كتابة ما نمرُّ به وما نشعر به. وأحياناً قد ألهم بيتاً أو بيتين وأنا في حالة بين النوم واليقظة، فأقوم بتدوينهما على هاتفي ثم أعود للنوم، وفي الصباح أبني عليهما قصيدة كاملة.
* ما الرؤية الفلسفية الوجودية المطروحة في قصيدة “لك يا سمراء” حول كيفية مواجهة الإنسان لتحديات الحياة عبر الحب؟
** تقول القصيدة في مطلعها:
يا من أصبت قرير العين بالرهق .. فارتد إثرك يطوي أصعب الطرق
هذا النصّ يندرج ضمن الشعر الوجدان الذي يصف معاناة الحبِّ وألم الوجد. فلسفتها تقوم على فكرة المكابدة؛ فالإنسان يجب أن يسعى خلف حلمه وطموحه رغم الخيبات، ويظلُّ متمسِّكاً بنقطة الضوء في آخر النفق. الحبُّ هنا هو المحرِّك الذي يمنحنا الوفاء لأهدافنا رغم كلّ الصعوبات.
* تزامناً مع قتامة الواقع، هل حاولت الردَّ على ذلك بنظم القصيدة التي تؤرِّخ لأمجاد العروبة وتدعو للحبِّ والسلام؟
** بالتأكيد، كتبت الكثير عن السلام والمحبَّة ورفض الظلم ومناصرة القضايا العادلة. لكنَّني أحاول دائماً الابتعاد عن “شعر المناسبات”؛ لأنَّني أؤمن بأنَّ القصيدة المرتبطة بظرف زمني محدَّد تزول بزواله، بينما أطمح أن تخلَّد أشعاري وتبقى صالحة لكلِّ زمان ومكان بصفتها قيماً إنسانيَّة خالدة.
* بصفتك مؤسساً ومديراً لمنتدى “العرب للفكر والشعر والأدب”، كيف ترى دور المنصَّات الرقميَّة في حماية اللغة العربية، وهل أصبحت هي “سوق عكاظ” العصر الحديث؟
** الفضاء الرقمي هو “سوق عكاظ” المعاصر بلا شك، فقد كسر الحاجز الجغرافي بين الشعراء من تونس إلى فلسطين وسوريا وكلِّ الوطن العربي. من خلال إدارتي للمنتدى، أحاول أن أجعل من هذه المنصَّة حصناً للغة الضاد، حيث نتبادل الخبرات ونصقل المواهب ونحافظ على رصانة الشعر الموزون أمام موجات التسطيح. هذه الوسائل الرقميَّة، إذا استُغلَّت بوعي، هي التي ستضمن بقاء لغتنا حيَّة ونابضة في عقول الأجيال القادمة.
* يُقال الكثير سلباً عن دور الشعر في العصر الراهن.. هل مازال الشعر ديوان العرب؟
** الشعر باقٍ ما بقي الإنسان؛ فهو خلاصة الفكر الإنساني ولغة الأرواح. لا يمكن تجاوز الشعر لأنه “صوت جهوري” يتسلَّل للقلوب سواء كان عمودياً أم حراً، وإن كنت أرى أن الشعر لا يكون حرَّاً تماماً وإلا فقد هويته التي تميِّزه عن النثر، فلا بدَّ له من إيقاع أو قافية.
الشعر العمودي الخليلي هو الأبقى في نظري لقابليته الفائقة للتلحين والانسجام مع الموسيقى بسلاسة. سيظلُّ الشعر يؤدِّي دوره جنباً إلى جنب مع الرواية والقصة والمقال، وسيبقى له جمهوره المتذوِّق الذي يجد فيه صدى لنفسه وتاريخه وحكمته.