ايهاب شوقي يكتب : هل يمس طرد السفير الايراني من بيروت بشرعية المقاومة ام بشرعية الحكومة ؟؟

هل يمس طرد السفير الإيراني من بيروت بشرعية المقاومة أم بشرعية الحكومة ؟؟
إيهاب شوقي / مصر
بين لحظة وأخرى، تخرج من الدولة اللبنانية مفارقات لافتة تخالف المنطق وتعكس معضلة عميقة وأخطاء استراتيجية كبرى، رغم حساسية المرحلة وارتهان مستقبل لبنان، بل والمنطقة عمومًا، لنتيجة الصراع الراهن والحرب الضروس والعدوان الأميركي الصهيوني غير المسبوق، وهو ما يفترض أن يجعل من أولويات لبنان تحرّي وتلمّس خطواته بدقة وتجنب الوقوع في أي خطأ ولو صغير.
وأحدث هذه المفارقات كانت خطوة طرد السفير الإيراني من بيروت، تزامنًا مع حراك دبلوماسي برعاية فرنسية معلنة للتقارب مع العدو “الإسرائيلي”!
ومصدر الغرابة والاستهجان هو أن العدو “الإسرائيلي” يمارس عدوانًا مباشرًا على السيادة اللبنانية وقتلًا وتهجيرًا للبنانيين وإعلانًا صريحًا عن نية التوغل البري واحتلال الأراضي اللبنانية لإقامة منطقة عازلة، ناهيك عن تاريخ العدوان والدمار الذي ألحقه العدو بلبنان منذ النشأة المزعومة للكيان. بينما إيران لم تمس سيادة لبنان ولم تعتدِ عليه يومًا، بل على العكس ساهمت بعد كل حرب في إعادة إعمار لبنان، وأنشأت هيئة خاصة للمساهمة في إعادة الإعمار، ناهيك عن أياديها البيضاء في المساعدات والهبات وعروضها السخية لفك الحصار المفروض على لبنان.
كما أن هناك مفارقة أخرى تكمن في الفارق بين تعاطي المقاومة وتعاطي الدولة مع الأحداث، حيث تحرص المقاومة رغم خوضها للحرب وتحملها هي وجمهورها للتضحيات على الوحدة وعلى حفظ هيبة الدولة اللبنانية، ويقوم حزب الله بتذييل وافتتاح بياناته الحربية بعبارة “دفاعًا عن لبنان وشعبه”، بينما تطعن الدولة المقاومة في ظهرها وتجرّم العمل المقاوم وتخدم الرواية الصهيونية بأن المقاومة إرهاب ومروق عن الشرعية، وأن سلاحها غير شرعي تجب مصادرته، وأن الدفاع عن لبنان هو سبب الدمار، وأن الصداقة والانتماء للشرفاء هو تبرير للعدوان الصهيوني والحصار الأميركي والخصومة مع المحيط العربي والخليجي!
لكن الخطير هذه المرة أن هذه الخطوة تختلف عن خطيئة قرار الحكومة بحصر السلاح في يد الدولة والإقدام على فتنة نزع سلاح المقاومة وسط حرب معلنة من العدو “الإسرائيلي”، ودون حوار داخلي أو تفاهم على استراتيجية دفاعية تحمي السيادة اللبنانية. ومصدر الخطورة هنا يمكن تلمّسه في نقاط عديدة، ولعل أهمها:
1- خطورة القرار من الناحية الشكلية والإجرائية
صدور القرار من وزارة الخارجية بشكل مفاجئ ينبئ عن أحد سيناريوهين خطيرين:
الأول هو تخطي الدستور اللبناني وعدم إبلاغ الحكومة وعدم مرور القرار بالمسالك الدستورية، وهو ما يعني تفرد وزير الخارجية بقرار حكومي يستلزم الإجماع، وتحول الخارجية إلى جزيرة منعزلة فوق الدستور، وهي فوضى وتجاوز للشرعية.
والثاني هو الحصول على موافقة ضمنية من رئيس مجلس الوزراء وضوء أخضر، وهو أمر يعني اختراق الإجماع الوطني وتجاهل شريحة كبيرة من اللبنانيين وعلاقتهم الروحية والدينية والإنسانية مع الجمهورية الإسلامية، وتجاهل الخصوصية اللبنانية التوافقية في هكذا قرارات سيادية.
2- خطورة القرار من الناحية السياسية والاستراتيجية
تتمثل هذه المخاطر في عدة نقاط، أهمها وأخطرها توقيت صدور القرار:
أولًا: صدور القرار وسط حرب وجودية وعدوان “إسرائيلي” وأميركي يتعاطى مع لبنان وإيران كعدوين، يعني اصطفافًا صريحًا مع المعسكر الأميركي، وهو ما يعني بالتبعية الاصطفاف مع الصهاينة، وهو ما يعني العداء مع مكون لبناني يحارب الصهاينة.
وهنا تتحول القضية من خلاف سياسي داخلي حول السلاح يمكن حوله الحوار، إلى نذر عداء صريح يتجاوز الداخل اللبناني ويخرج بالقضية إلى نطاق إقليمي، تصبح به الدولة رسميًا في معسكر متصارع مع معسكر تنتمي له فئة وازنة من اللبنانيين، وهو أمر له تبعات خطيرة.
ثانيًا: من أبرز مستجدات هذه الحرب كان التنسيق بين المقاومة وحرس الثورة الإسلامية في عمليات مشتركة، وما رشح عن أن أي تسويات أو مفاوضات مستقبلية لن تقتصر على جبهة بعينها، بل ستكون تسوية شاملة تضمن أمن لبنان إلى جانب أمن إيران، وهي فرصة كبيرة نتجت عن التضحيات والبطولات، من المفترض أن تستغلها الدولة اللبنانية إذا ما كانت صادقة في صيانة السيادة وحفظ الأمن القومي اللبناني.
بينما تجهض خطوة طرد السفير والقطيعة الرسمية مع إيران هذا المنجز الاستراتيجي، وكأن الدولة تنزع من إيران شرعية إدخال لبنان في التسويات، وكأن الدولة لا ترغب في إنهاء العدوان الصهيوني والأميركي، رغبة في تصفية المقاومة وتهميش فئة كبيرة من اللبنانيين تتبنى خيار المقاومة والاستقلال الوطني، وتعيق انضمام لبنان إلى جوقة المطبعين مع الكيان.
الخلاصة
إن هذا القرار يفتقد الشرعية الدستورية وشرعية التوافق الوطني التي تفرضها خصوصية لبنان واتفاق الطائف، ويبيّن الفوارق بين التعاطي الذي تمارسه المقاومة بكل شرف ومسؤولية، وبين التعاطي غير المسؤول للدولة التي تركت وزيرًا ينتمي لمكون لبناني مثير للجدل ومعروف بعلاقاته التاريخية بالكيان، ينتزع قرار مجلس الوزراء لصالح توّجه مكوّنه المرتهن للخليج وللمعسكر الأميركي الصهيوني، بينما بتأمل تعاطي الوزراء المنتمين للمقاومة للقضايا الوطنية نجدهم يعملون لصالح جميع اللبنانيين حتى خصومهم، وهو ما يفتح الباب لضرورة عزل هذا الوزير لتجاوزه صلاحياته وإضراره بأمن لبنان، ويفتح الباب لمراجعة الوزارات السيادية في لبنان وعدم توليها من جانب مكونات غير مسؤولة ولا تتمتع بالحس الوطني وتفتقد الرؤية الاستراتيجية والمصلحة الجمعية.
🖊 ايهاب شوقي
