رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :في إنتظار الدكتاتور”

المجتمع المريض لا يتساهل مع الأصحاء والمتكيف مع مجتمع مريض هو مريض* إريك فروم، عالم نفس وفيلسوف ومؤرخ.
عندما يقع المجتمع في مشكلة اختلاف في تعريف المفاهيم الجوهرية كالعدالة والحق في الحياة والسلطة والحرية والنظام وغيرها، تأكد ان الدكتاتور السابق الميت لا يزال حياً بل ان الموت خلق له أسطورة حية في مجتمع يعج بالأساطير المعقلنة بل المكان الأول لولادة الأساطير.
الموت يفصل الدكتاتور عن الاخطاء والجرائم وتتحول عند شرائح موالية له الى أدوات قوة وضبط وسيطرة بل كبرياء سلطة وعادة الحشود تحب الصورة الذهنية للدكتاتور كهوية وهذا يحدث في المسافة الفاصلة بين موت الدكتاتور وما بعده وهذه المسافة ــــــــــــــ يطلق عليها غرامشي المنعطف ــــــــــ بين قديم يحتضر ولا يموت وبين جديد لا يولد، تنتج الكثير من العاهات المرضية.
من يقوم بتصنيف وتعريف الناس الى شرفاء وغير شرفاء ومنحرفين واصحاء وعقلاء ومجانين ووطنيين وغير وطنيين هو جلاد ورجل أمن ولو كان يدعي المعارضة لان من يقوم بصناعة المفاهيم والاوصاف واختزال الناس في عناوين مختصرة والغاء كل التعقيد في البشر يقوم بدور سلطة تمارس هذه الجريمة كسياسة.
في هذه الفوضى يتم استدعاء الدكتاتور في الخيال كمنظم للفوضى بلا عدالة وكقوة ضبط ولو كان سفاحاً وهذا الحنين له هو الذي يبني جدراناً بين ضحاياه القدامى وأنصاره وفي هذا الصراع يولد تعريف اختلاف المفاهيم حيث يصبح الطاغية هو المعيار الوحيد في الحياة لمن يحب ولمن يكره وبهذه الطريقة تتوضح فكرة ان الطاغية ـــــــــــــــ أو حارس السلالة، عنوان روايتنا ـــــــــــــــ لا يموت بل يتناسل لأنه عقلية وليس فرداً.
إن أسوأ وأخطر ما قد يتعرض له الانسان أن يكون ذكياً وشريفاً في نظام قمعي وفي مجتمع مغلق: يتحول الذكاء الى بصيرة وتنافس، ويتحول الشرف الى معرفة بالظلم والاستباحة وهي لعنة السلطة المتوحشة والجهل المقدس.
هو ملهم وبطل وأسطورة لحشود وهو جرح مفتوح وجريمة ومقابر بالنسبة لحشود أخرى والصراع بين نظرتين ليس حواراً فكرياً أو سياسياً بل هو عبارة عن صراع عقائدي يديره الطاغية من خلف جدران الموت.
غالباً ما تلجأ الحشود الجريحة من ظلم التاريخ الى اختراع قائدها أيضا وتصنع منه رمزأً وعندما ينخرط هؤلاء في حشود جديدة تذوب الأنا الفردية ويحملون هوية الجماعة وتظهر طقوسهم وافعالهم مهما بلغت من الغرابة والوحشية من أفعال الصواب لذوبان الضمير الفردي في ايقاع عام مقبول ومبرر على مستوى الجماعة.
بالتكرار تتحول ممارسات الحشود الى طقوس مقبولة وشرعية في غياب العقل لصالح عقل الرمز والأسطورة الذي يكون المسؤول الوحيد عن الجماعة في استقالة عقلية جماعية.
الحشود ولاء والولاء يعني انعدام التفكير حسب جورج أورويل . لكن الحشود تكره التعقيد وعلى القائد تبسيط الأفكار والمواقف واختصارها في هتافات موجزة تردد في نشيد جماعي ولا يقتل حماس الحشود غير الأفكار العميقة. العقلانية مكلفة وفي الحشود يبرر كل شيء حتى الحماقات والنزوات.
نحن أمام استعادة مختلفة للدكتاتور ولكن هذه المرة من قبل ضحاياه عندما يعيدون بناء سلطة عامة أو فرعية تقوم على الأسس نفسها التي زرعها الطاغية: الرمزية واحتكار السلطة والحقيقة والثروة والناس من دون أي جهد لتفكيك بنية السلطة الذي يكون الحل الوحيد للقطيعة مع الطاغية لكن هذه القطيعة قد تقوم بها فئة أو أفراد وهؤلاء في نظر الحشود والاتباع حفنة مجانين.
هذا الاستبعاد للمختلفين هو نوع من” الوصم” وجدار آخر لمن لا يمتثلون للمعايير العامة وهذا الوصم هو نوع من السيطرة والضبط لأن السلطة أو الحشود أو الغوغاء هم من يقررون من هو عاقل ومن هو مجنون لاجبار ” المريض” المتخيل للعودة الى الصواب.
من يختزل الناس بأوصاف حسب ذهنية الوصم هو مؤرشف سلطوي سواء كان في سلطة أم خارجها لأن الأرشفة والأختزال والوصم من طبيعة السلطة التي سرقت الأرشفة من ملائكة الكتفين في تسجيل الصالح والطالح.
هذا الوصم للمختلفين مارسته جميع الاحزاب في العراق من اليسار الى اليمين ودربت عليه أجيالاً وصار” طقساً ثورياً” وممارسة نضالية مع انه جريمة اخلاقية تمارس بشكل جماعي يعفي من المسؤولية عندما تمارسه كتلة ويظهر كسلوك سياسي لا كجريمة هتك لحقوق الانسان في أن يكون كما يريد لا كما يراد له وفي كل يوم تنشر وسائل الاعلام تبادل الوصم حتى تحول الى ظاهرة عادية بل ممارسة وطنية وثورية وعقائدية وكانت الأحزاب ” الثورية” الشمولية أول من أسس هذه الرذيلة لكل مختلف ولم تصدر من بيوت البغاء .
من المؤسف ان الجنون الفعلي ليس خياراً عقلياً لكي يكون منقذاً من جنون الحشود لأن الجنون الحقيقي هو في الحشود الذي يظهر على شكل عقيدة ويقدم التفسيرات المبسطة وتتحول طقوس الهذيان الى طقوس مقدسة ويختفي الوعي الفردي وتضيع كل الحقائق وتنقلب المعايير.
لكن هذا لا يحدث إلا بخلق قائد رمز يوازي الدكتاتور القديم ولا تصبح الأفكار عقيدة ما لم يوجد قائد يمثل الحشود القادر على خلق عدو حقيقي أو متخيل كطاقة وقود ومحرك وبذلك يصبح كل شيء شرعياً والعنف مقدساً.
هذا أيضا يحتاج الى عقيدة أو نظام مغلق يجعل الجماعة متماسكة ويمنع ” الدخيل” والطارئ” والناقد والمعارض والمحتج من الدخول الى نظام او جماعة او حلقة مغلقة لكي تتكرر دورة السلطة حتى لو كانت سلطة على شارع وقرية ومقهى. السلطة متعة ولو على ذبابة حسب دويستوفسكي.
إن الطاغية لا يأتي إلا اذا استدعيناه كما يقول الروائي ماريا فارغاس يوسا حامل نوبل ــــــــــــــــ وقد زار العراق بعد الاحتلال وكتب : يومات العراق ــــــــــــــ لأن ظهور الدكتاتور ليس مجرد حادث عرضي بل هو التجسيد الخفي للشخصية المنقذة” القوية، الرمز، الأسطورة” في المخيلة وهو المنقذ من ثقل انتظار الحرية وهو من يتحمل المسؤولية وهو المخلص من مشقة التفكير وهو من يضرب بيد من حديد الخ وحتى جرائمه تتحول الى اخطاء التطرف في العدالة.
الدكتاتور يصنع المجتمع كأعماقه على شكل مستشفى للأمراض النفسية وفي مثل هذا المجتمع يكون العاقل والبرئ والذكي هو المريض الوحيد لأنه لا يدخل في نسيج البشاعة العام ولا في القبح العام ويظل عائماً بين غطرسة السلطة وبين غطرسة الجهل المقدس.
المفارقة في تاريخنا العجيب ان الحشود تنتظر في كل العصور من ينقذها بخلق من يجلدها ويجعلها ترى نجوم الظهيرة لأنه لم يأت من فراغ بل من رغبة المجتمع في السيطرة والتفوق وعندما يحضر ويتوحش ويتعملق يصبح الحوار معه نوعاً من الجريمة أو الكفر وفي حفل زفاف الدكتاتور على الجماهير يصبح الخضوع التزاماً والطاعة قانوناً وحتى موته الجسدي يجعله حاضراً لأنه مارس مع الجموع” الخصاء العقلي” بحيث لم تعد ترى الحياة إلا من منظار مقارنات ما قبل وخلال وبعد الدكتاتور لمحبيه وكارهيه.
لقد نجح في وضع “الحنديرة Blinders” ـــــــــــــــ جلدة توضع على عيون الخيل ـــــــــــ لكي لا ترى غير الأمام أو ما يريد هو أن تراه وبذلك قام بهندسة الوعي وتقليص الرؤية الى جانبية وأحادية وصلبة وثابتة وهو يدفعها دائما نحو العدو الخارجي مع ان العدو الأخطر في الداخل.
ــــــــــــــ” الامبراطور الحافي: أوهام القبض على الدكتاتور” كتابنا طبعة الكترونية نشرت مقالاته من اليوم الاول للقبض على صدام حسين في 13 كانون الاول 2003. الكتاب يسخر ويحذر من فكرة القبض على الدكتاتور كحل ونهاية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى