
في الحرب التي تشنها إسرائيل وأمريكا على إيران حاليا في مارس 2026 ارتفعت أسعار النفط، واضطر ترامب إلى رفع الحظر المفروض على النفط الروسي منذ ضم القرم في 2014 وقيام موسكو بغزو أوكرانيا في 2022.
النتائج الظاهرة هي انعاش الاقتصاد الروسي ..والنتائج الباطنة هي مد مهلة أخرى في معضلة المرض الهولندي.
ظهر مصطلح “المرض الهولندي” في عام 1977 وموجز قصته أنه في أعقاب بحث الدول الغربية عن بدائل لبترول العرب – بعد أن نجح التحالف المصري العربي في حظر النفط عن الدول المساندة لإسرائيل في حرب أكتوبر 1973 – تم اكتشاف الغاز الطبيعي في هولندا.
زاد الطلب العالمي على شراء “الجيلدر” عملة البلاد المحلية في هولندا. ومع تعاظم قوة الجيلدر تمكن المواطنون من شراء سلع استهلاكية مستوردة بأسعار أقل، وبتكلفة أقل لنفس السلع المصنعة محليا، كانت النتيجة عزوف الهولنديين عن الانتاج المحلي وتقاعسا عن إنتاج الصناعات الأخرى غير النفطية مع رواتب متضاعفة وحياة سهلة.
كانت النتيجة بالغة الضرر على اقتصاد هولندا، تراجعت وتدهورت وتأخرت الصناعات جراء ريـــع العائدات الضخمة من بيع الغاز الطبيعي.
شهدت روسيا هذا المرض الهولندي بداية من عام 1999 – قبل عام واحد من صعود بوتين إلى سدة الحكم – وذلك مع ارتفاع قيمة الروبل ارتفاعا ملحوظا في قيمته مقارنة بالعملات الأخرى، جراء ارتفاع أسعار قيمة النفط والغاز بشكل كبير، وهو ما أدى إلى أن تسميه بعض الدراسات الأمريكية باسم “المرض الروسي”.
للنسخة الروسية من المرض الهولندي علامات في طليعتها إهمال القطاعات غير النفطية والإضرار برأس المال البشري. جراء المغالاة في الاعتماد على ريع النفط والغاز مما يهدد الاقتصاد الروسي في العصر الحديث.
العلاقة وثيقة جدا بين المرض الهولندي في العالم العربي الثري بالنفط والمرض الهولندي الروسي. والعلاقة أكثر تشابكا في مستوى الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك، ويمكننا أن نذكر هنا 4 تجارب من التاريخ الحديث:
🔘 حرب أكتوبر 1973
تشير بعض المصادر الأمريكية إلى أنه خلال منع العرب بترولهم في 1973 كان أكثر الدول التي تضررت من حظر بترول العرب هي ألمانيا الغربية فاضطرت لأخذ خطوة ثورية بالتعاون مع عدوها الاتحاد السوفيتي لتوريد الغاز الطبيعي إليها عبر خط أنابيب.
الطريف ان خط الأنابيب ذلك هو الجيل الأول من خطوط الأنابيب التي تمر حاليا في أوكرانيا وتشهد المعارك التي اندلعت منذ فبراير 2022 حين قامت روسيا بعمليتها العسكرية الخاصة لغزو أوكرانيا.
في سبعينيات القرن العشرين كانت خطوة ألمانيا ثورية لأنها تشبه خطوة ترامب في 2026 برفع الحظر عن بيع النفط الروسي لأن دول المعسكر الغربي وقتها كانت قد مارست مقاطعة ضد الاتحاد السوفيتي.
كانت المقاطعة في استيراد بترول الاتحاد السوفيتي وقتها قد اتخذت ذريعة تأميم موسكو لشركات النفط الغربية التي كانت تعمل منذ عقود في القوقاز السوفيتي ولا سيما حقول باكو في أذربيجان، مما استدعى موقفا غربيا موحدا بمقاطعة التعامل مع الاتحاد السوفيتي في استيراد البترول.
غير أن موقف العرب التاريخي بحظر النفط (الذي قال عنه مسؤول خليجي كبير ..هذا حدثٌ لن يتكرر مرة أخرى في المستقبل!) إلى الدول المساندة لإسرائيل أجبر دول أوروبا إلى اللجوء إلى الاتحاد السوفيتي.
وهنا حقق الاتحاد السوفيتي مكسبين:
– إجبار الدول الغربية في المعسكر الرأسمالي المعادي على إسقاط مقاطعة الاتحاد السوفيتي واستيراد النفط …وهو مكسب معنوي كبير وقتها.
– كسب أموال ضخمة للاقتصاد السوفيتي من بيع كميات هائلة أخذا في الاعتبار أن الاتحاد السوفيتي كان دوما خارج أوبك ولا يتبع سياستها. وقد وفر ذلك للميزانية السوفيتية مصادر تمويل فلكية في سبعينيات القرن العشرين دفعته دفعا خلال ذلك العقد نحو مزيد من النهوض والقوة.
🔘 الغزو السوفيتي لأفغانستان
رأينا كيف عاشت روسيا في السبعينيات تستفيد من تداعيات حظر النفط العربي وبيع الغاز بكميات أفضل. لكن موسكو ارتكبت خطأ فادحا في 1979 حين اتخذ بريجينف قرارا بغزو أفغانستان وهي العملية العسكرية التي سببت خسائر عديدة عسكريا واقتصاديا واستنزاف موارده. حتى إذا جاء جورباتشوف في منتصف الثمانينيات كان عليه أن يتحلى بشجاعة استثنائية وتاريخية ويعلن الانسحاب المهزوم من أفغانستان.
ومن عجائب الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك أن العرب الذين أنقذوا الاتحاد السوفيتي في السبعينيات – من دون قصد – بعد حرب 1973 وعبر سياسة حظر النفط، سيشاركون في الإضرار الجسيم بالاتحاد السوفيتي في الثمانينيات حين تعاونت السعودية مع الولايات المتحدة لتمويل المجاهدين في أفغانستان، فتكبد الاتحاد السوفيتي خسائر عديدة استنزفت طاقته ومكاسبه وعجلت بسقوطه.
وتذهب المصادر الأمريكية مرة أخرى إلى أنه في خضم حرب أفغانستان تعاونت السعودية والولايات المتحدة في عام 1985 على خطة تهدف إلى حرمان السوفييت من أموال العائدات المرتفعة من النفط عبر خطة محكمة جديدة هي إقناع السعوديين بضخ مزيد من البترول لخفض الأسعار.
وقد تحقق ذلك بالفعل حين رفعت الرياض الإنتاج بأكثر من 40 % وقتها وهو ما أدى إلى انخفاض الدخل السوفيتي من النفط والغاز وساهم – ضمن عوامل أخرى بالطبع– في الإضرار باقتصاد الاتحاد السوفيتي في سنوات عمره الأخيرة.
🔘 الغزو الأنجلو امريكي للعراق 2003
بعد أحداث سبتمبر 2001 وغزو أفغانستان وغزو القوات الأنجلو أميركية للعراق وسقوط بغداد في أبريل 2003 وتعطل آبار النفط واحتراق أخرى والحروب المهلكة في العراق وعلى بوابات الخليج العربي وإيران، قفزت أسعار النفط من 20 دولار للبرميل إلى 70 دولارا للبرميل بل وتجاوزت في بعض السنوات حاجز 100 ثم 150 دولارا للبرميل. وهو ما قدم فرصة لروسيا لم تكن تتوقعها ولا تحلم بها.
في عام 2003 فشلت روسيا في ايقاف الغزو الأنجلو أميركي للعراق مما ألقى بخسائر كبيرة على الاقتصاد الروسي. وكان في مقدمة الخسائر تجميد عشرات الاتفاقيات التي وقّعت بين بغداد وموسكو وقدرت بنحو 40 مليار دولار، كما توقف تبادل تجاري يصل سنويًا إلى نحو 3 مليارات دولار تصب أغلبها في الاقتصاد الروسي الذي يصدر إلى العراق سلعًا متعددة مدنية وعسكرية وتكنولوجية.
وبخسارة العراق تم طرد شركة “لوك أويل” الروسية من بلاد النهرين، وهي واحدة من كبرى الشركات التي وقعت عقدت اتفاقًا مع العراق لاستخراج بترول منطقة القرنة جنوب العراق بقيمة 4 مليارات دولار. وطردت الشركات الروسية الأخرى التي كانت تعمل في نحو 120 بئرًا في حقول كركوك وحقول غرب البصرة. علاوة على حرمان الشركات الروسية النفطية من إعادة إعمار العراق بعد الحرب لصالح الشركات الأميركية والبريطانية.
وبينما تم حرمان الاقتصاد الروسي من ثروات العراق النفطية تم إغلاق اسواق العراق أيضا أمام الصادرات الروسية وفي مقدمتها السيارات والآلات والمعدات الكهربائية ومحطات الطاقة الكهربائية (بالتوليد الحراري)، فضلا عن المعدات العسكرية والأسلحة التي كان يقوم عليها الجيش العراقي بشكل دوري ضمن مثلث إيران- العراق- سوريا.
وحينما أحكمت الولايات المتحدة قبضتها على العراق طلبت من المجتمع الدولي إسقاط ديونه على تلك الدولة لعدم قدرتها على الوفاء بذلك في عالم ما بعد صدام حسين، وهنا اضطر بوتين إلى الموافقة وخسرت روسيا 8 مليارات دولار ديونًا للقطاع النفطي والعسكري على العراق.
ورغم هذه الخسائر الفورية، تعرقل النفط العراقي وارتفعت أسعار النفط عالميا، وهنا اقتنص بوتين – الذي وصل للسلطة قبل نحو عامين – الفرصة أفضل اقتناص وضخ في السوق الدولي من النفط والغاز كميات كبيرة وفرت له أموالا هائلة استخدمها في إصلاح الداخل الروسي ورفع الرواتب والمعاشات ومد البنية الأساسية.
وكان بوتين قد نجح في هذه الخطوة بعد معركة تأميم الشركات الخاصة التي اتهمها بوتين بالتهرب الضريبي إثر فساد سنوات يلتسين بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي.
لقد تحققت لروسيا بوتين في السنوات من 2001 وحتى 2004 أموالا هائلة كانت قرينة بفترته الرئاسية الأولى فحدث تلازم لدى الرأي العام في بلاده بين توليه الحكم وتحسن أحوال المعيشة ورفع الرواتب والنهضة الداخلية، بينما الحقيقة أن تضاعف أسعار النفط والغاز تسبب فيه الغزو الأمريكي للعراق واضطراب أحوال الشرق الأوسط.
ومنذ نهاية عام 2022 وقع حدث مغاير حينما قامت منظمة “أوبك +” (أوبك + روسيا) بقرار خفض الإنتاج وجاء ذلك مع غضب واشنطن وإعادة تقييم علاقاتها الاستراتيجية مع السعودية عبر عقود طويلة مضت. ولعله مشهد إضافي في تقلب علاقة روسيا بالعرب في استخدام سلاح النفط والغاز.
لكن سرعان مع عادت السعودية للصلح مع واشنطن مع عودة ترامب !
🔘الحرب على إيران 2026
لكن بالحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران قفز موضوع النفط الروسي مجددا استفادة من الحرب..مكاسب جديدة تكرس المخاوف في الداخل الروسي من المرض الهولندي.
لكن روسيا دولة متعددة القطاعات الصناعية ولا سيما العسكرية التي تدر لها دخلا من بيع الأسلحة لدول الجنوب والعالم الثالث وإيران.
المرض الهولندي يعبر عن نفسه بأفضل تمثيل في الدول العربية النفطية….ومن الطريف أن هولندا تجاوزت مرضها ..وأصبح هذا المرض متفشيا فقط في دول الريع النفطي رغم محاولات بعض هذه الدول تنويع الاقتصاد وتفكيك مركزية الارتهان إليه.
موجز المقال:
الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك قريبة جدا ومتداخلة جدا، روسيا متشابكة مع العرب، أفغانستان وثيقة الصلة بأوكرانيا، ألمانيا على خط ما يحدث في إيران والخليج.
لا يمكن فهم تاريخ وجغرافية المنطقة العربية من دون فهم تاريخ وجغرافية أوروبا وروسيا.
مراكز الثقل تتغير، الخليج وإيران في مركز الأحداث، السيطرة على البترول وتحويل المنطقة إلى تابع عاجز يرسمان خرائط جديدة.
المعركة (التاريخية) مستمرة …لفترة طويلة مقبلة !