رؤي ومقالات

التشريح الذرائعي الابتسمولجي

#التشريح #الذرائعيّ الإبستمولوجيّ الأنثروبولوجيّ بين الإستاتيكية والديناميكيّة
#قراءة #منهجية رؤيوية في نص : ( وَهْنُ الانتظار )
للشاعر والناقد العراقي القدير علاء الدين الحمداني الحمداني من ديوان :
/أثري لا يتبعني/
#النص:

وهن الإنتظار

تمضين … باقٍ أنا
الوقت لن يقف
ساعةُ الجدار تُشير
إلى مدِ بحرٍ ونيّف
يدعوني للسأمِ عقربها القزم
قد أَهدم هالة الانتظار
تَشَفِّياً ..
أُقَوِّض بالتغاضي عبثية الوهم
تأتين أم لا تأتين
كل ما في الأمر
أني ألغيت الوقت ..
تتلاشين مع كل جَزْر
يمضي إلى القاع ..
كم مريبة الأوقات
الأكثر ريبة منها … أنا …
تَذَكَّرْتُ منذ عقود
متوقفة بلا حياة
ساعة حائطنا المتهالك
بالأحرى … لا جدار هناك !!!
​لا جدارَ هناك …
فقط رئةٌ صدئةٌ نبتت في الهواء
تُعلّقُ بأنفاسي شهقة أزلية
أتحسَّسُهُ وجهي …
هل هو جدارٌ آخر سقط؟
أم محضُ غبارٍ
تراكمَ فوقَ صمتِ ملامحي ؟
لعلكِ ​تأتِينَ …
كفكرةٍ ولدت ميتةً في رأسِ تمثال
أو عطرٍ ضلَّ طريقهُ
وسط حريقٍ من الثلج ..
لا أبحثُ عنكِ في المدى
فالمدى ثقبٌ أسودٌ
عالقٌ في جيبي
أدسُّ فيه يدي ..
تتلاشى أصابعي..
​أنا … هذا الكائنُ الذي يسبقُ ظله
ويتعثرُ بخطواتِ الغرباء
سأشعلُ سيجارةً من حمى أفكاري اللاهثة وأنفثُ الدخان ..
ليتشكلَ منه جدارٌ وهمي
أُعلّقُ عليه ساعةً لا عقاربَ لها
وأنتظرُ بصلافة وعناد
ما لن يأتي أبداً
لا جدار هناك
فكيف لساعةٍ أن تُعلِّق نبضها في الفراغ؟
أمدُّ يدي
فلا ألمسُ سوى صدى ثوانٍ متهالكة
أتبعه … فأصير ظلاً
تأخَّر عن جسدهِ
أيتها الآتيةُ المؤجَّلة
إلى أمدٍ لا يُسمَّى
لم أعد أميّز
أكان الطريقُ إليكِ طويلاً
أم أنا الذي استطالَ في التيه ..
كلُّ ما في الأمر
أن القلبَ حين يتعب
يخترعُ نهايةً مؤقتة
يطفئُ المصباحَ
ويُقنعُ العتمةَ أنها اختيار ..
ها أنا أرتِّبُ غيابي
كما يُرتَّبُ سريرُ مسافرٍ
لن يعود
وأضعُ على الطاولة
بقايا نيةٍ تُشبهُ الوعود ..
إن جئتِ …
لن تجديني كما تركتِني
سيكون في صوتي
قليلٌ من غبار السنوات
وفي عيني
مسافةٌ لا تُقطعُ بالخطوات
وإن لم تجيئي …
فلا شيء يحدث
سوى أنني
سأتقنُ أخيراً فنَّ النجاة… مني
لم أعد أسأل
تأتين أم لا تأتين
بل أسأل
من هذا الذي كان ينتظر
ثم أبتسم …
كمن عثرَ أخيراً على نفسه
تحتَ ركامِ التوقُّعات
وأدرك
أن الهدمَ الذي أرداهُ تشفياً
لم يكن إلا ولادةً أخرى بلا شهود
تأملّتُ المدَّ والجزر …
وجدتُ بحراً يغرق
وقشة تسحب أجل الأياب ..
الآن
لا مجيءَ ولا غياب
لا انتظارَ ولا نهاية
هناك فقط وعيٌ عابر
يمرُّ بنفسه ثم يختفي
دون أن يترك
حتى فراغاً … ليُنتَظر
……
#المدخل الرؤيوي المنهجي:
(فلسفة التشيؤ والتلاشي)
حين نغوص بهذا النص نلمس أنه انفتح على أفق تأويلي مركب باعتباره حيز دلالي متشظ تتقاطع فيه مسارات الذرائعية كونها وعياً بالوظيفة مع الإبستمولوجيا كحفر في بنية المعرفة المُضمرة ومع الأنثروبولوجيا باعتبار النص انعكاساً لشرط إنساني وجودي بينما تتناوب عليه الاستاتيكية في تثبيت اللحظة والديناميكية في تفجيرها
إذ ​ينهض نص
/ وهن الانتظار / من ديوان (أثر لا يتبعني) على بنية تدميرية للمألوف الزماني والمكاني
ليرصد من خلال ذلك جماليات الانهيار
فالنص لانستطع إحالته كتقديم بوح وجداني عابر لأنه مشرحة وجودية يعيد فيها الشاعر صياغة علاقة الذات بالوجود من خلال وسيط /الزمن/ بحيث تتحول الأشياء من صلبة (جدار- ساعة- جسد) إلى هباء (دخان- صدى- غبار
إننا بإزاء نص يعيد تشكيل قارئه ضمن نظام إشاري يتأسس على التفكيك البنيوي للزمنية وانهيار المرجعية المكانية وتحوّل الذات إلى كينونة احتمالية
والآن نتطرق إلى
#عتبةالنص : (العنوان) وأهميتها في النقد الحديث
​ففي النقد الحديث يعد العنوان / العتبة النصية / الأولى و/ الثريا / التي تضيء ممرات النص وماهية رؤية الشاعر
فشاعرنا القدير كان مدرك لذلك بخلاف غيره ممن ينجزون نصوصهم دون عنونة
وإن ​دلالة العنوان :
لنص / وهن الانتظار/
تكسر أفق التوقع فالإنتظار عادة ما يقترن بالقوة أو الأمل لكن إضافته إلى /الوهن/ تفنيدها: (قواعدياً/
مضاف ومضاف إليه)
والتي جعلت من العنوان فعل هدم استباقي وهذا يحيل
​للأهمية النقدية: للعنوان فهي /بؤرته المركزية/بحيث تم تجريد الانتظار من فاعليته الفيزيائية وتحويله إلى حالة من التآكل الأنطولوجي مما يمهد للقارئ الدخول في تجربة (تسييل المادة) التي يمارسها الشاعر في المتن
#ونمايز #الذرائعيّة النصية أي(وظيفة الانتظار وتفكيك الغاية)
إذ يؤسس النص منذ عتبته الأولى لانهيار الوظيفة :
(تمضين … باقٍ أنا / الوقت لن يقف)
فهنا تتجلى الذرائعيّة المعكوسة إذ لم يعد الانتظار وسيلة لغاية (اللقاء)
بل غدا حالة مكتفية بذاتها تنقلب فيها الوسيلة إلى عبء وجودي
فإن الإلغاء الصريح :
(أني ألغيت الوقت)
لا يُفهم كفعل إنكاري بقدر ماهو تحول وظيفي حيث يسقط الشاعر الغاية الزمنية فيُحرر الذات من حتمية التوقع بإعادة إنتاج الفعل أبعد عن كونه فعلاً ذرائعياً
ولو اقتربنا قليلاً من النص للغوص ببعض جوانبه #كتشريح قواعدي ودلالي نرى:
1/ #تضاد الثبات والحركة (الاستهلال الوجودي):
لو عدنا لجملة
​(تمضين … باقٍ أنا / الوقت لن يقف)
​نحوياً: فهي جملة فعلية (تمضين) في مقابل
جملة اسمية (باقٍ أنا)
قدم الشاعر /الفعل/ للآخر المتحول و/الاسم/ للذات التي تنشد الثبات
​والدلالة هي : التوكيد بالتقديم والتأخير في (باقٍ أنا) ليوحي بمركزية الأنا القلقة
و/لن/ النافية للمستقبل في (لن يقف) تقطع الطريق أمام أي أمل في توقف الزمن
مما يولد من خلال ذلك سيزيفية الانتظار
​2/ #فيزياء العدم ونفي الحيز المادي:
لو تتبعنا جملة
​(ساعةُ الجدار تُشير… لا جدار هناك!!!)
#ف​القواعدية هنا : هو الانتقال من / التعريف/ (الجدار)
إلى /النكرة المنفية/ بـ (لا النافية للجنس)
وهذا النفي القواعدي القاطع يهدم / المسند إليه/ (المكان) ليبقي /المسند/ (الزمن/الساعة) معلقاً في العدم
#وهذا كقيمة ​دلالية : هو ذروة دينامية سريالية بحيث تعيش الذات في فراغ مطلق فتتحول الرئة إلى (رئة صدئة نبتت في الهواء) وهو توكيد على انقطاع الصلة بالواقع المادي
#ونلحظ الإبستمولوجيا الشعريّة
أي (معرفة الانهيار وبنية الوهم):
فالمعرفة هنا ليست يقيناً لدى الناص لكنها انكشاف تدريجي :
(كل ما في الأمر / أني ألغيت الوقت)
إنها لحظة إدراك إبستمولوجي حاد بحيث يعاد تعريف الزمن إلى جانب كونه معطى فهو تصور ذهني يمكن تفكيكه
وتتعمق هذه الرؤية في :
(فالمدى ثقبٌ أسودٌ / عالقٌ في جيبي)
#بحيث يتحول الفضاء إلى مفهوم معرفي منكمش
معاد إنتاجه عبر استعارة كونية تحيل إلى عبثية الإدراك ذاته
#لذلك يمكن القول إن النص هنا يمارس ما يمكن تسميته بـالشك
حين نتجلى في:
انكماش الكون (المدى كثقب أسود):
​(لا أبحثُ عنكِ في المدى / فالمدى ثقبٌ أسودٌ عالقٌ في جيبي)
#فتفسير ​الإحالة والتوكيد هنا :
هو تحويل (المدى) من كونه مطلقاً شاسعاً إلى (ثقب أسود) محصور في (جيب) وهذا الإستلاب المكاني يتبين أنه يعكس وعياً إبستمولوجياً بأن الكون ليس خارجنا
فهو ثقل داخلي نؤديه في جيوبنا
#أما عن ​الدينامية فنرى ذلك في : ( تتلاشى أصابعي) الفعل المضارع هنا يفيد الاستمرارية في الفقد
والذات التي (تسبق ظلها) تعبر عن انفصام الكائن عن ظله التاريخي والإبستمولوجي الشعري
إذ أن الحقيقة لاتوثق لكنها تُرتاب
#ولو تمعنا في الأنثروبولوجيا النصية نستشف :
(الإنسان بوصفه كائن انتظار متآكل)
#فالذات النصية لم تكن فرداً إنما نموذجاً إنسانياً :
( أنا … هذا الكائنُ الذي يسبقُ ظله / ويتعثر بخطواتِ الغرباء)
إنه تعريف أنثروبولوجيّ للإنسان لكونه كائناً مفصولاً عن ذاته يسبق ظله (وعيه) ويتعثر بالآخر (الاجتماعي)
#وكما تتجلى الهشاشة الوجودية أيضاً في:
(القلب حين يتعب / يخترعُ نهايةً مؤقتة)
وهنا تتحول العاطفة إلى آلية بقاء في مقاربة أنثروبولوجيّة ترى الإنسان ككائن يخترع الخلاص لأنه مضطر إليه لا لأنه موجود
ونذهب إلى #الاستاتيكيّة (تجميد اللحظة وانحباس الزمن):
كما في الصورة :
(ساعة حائطنا المتهالك / بالأحرى … لا جدار هناك !!!)
فهي هنا تؤسس لبنية استاتيكية حيث يجمّد الزمن عبر غياب حامله (الجدار)
كما أن :
(ساعةً لا عقاربَ لها)
تمثل ذروة التثبيت إذ يتحول الزمن إلى فراغ معلق فاقد لأي حركة
إذاً فإن الاستاتيكيّة بالنص لم تكن سكوناً إنما انهيار الحركة ذاتها
ونلحظ اقتدار الناص على التنقل وخلق تلك الجمالية في خلق تواترات البناء ومغايراته المعنية
حين يتشكيل الوهم #و(الذرائعية كأداة نجاة) :
​(سأشعلُ سيجارةً… ليتشكلَ منه جدارٌ وهمي / أُعلّقُ عليه ساعةً لا عقاربَ لها)
يسترعي انتباهنا هنا التوكيد بالفعل : السين (سأشعل) للمستقبل القريب
والواو العاطفة للتتابع (وأنتظر) فلقد خلقت انتقالية بارعة لتصوير الحالة الشعورية الأنوية
​فالذات هنا /تخلق/جدارها الخاص من الدخان لتعلق عليه زمناً مشلولاً (بلا عقارب)
هذا هو /العبث المنظم/ حيث يتم استخدام الوهم كأداة (ذرائعية) لمواجهة الفراغ
​فالنص منذ البداية للختام كان ملعباً للشاعر نظمه بمهارة حين نشاهد :
(الولادة من رحم الهدم):
في جملة ​(أدرك / أن الهدمَ الذي أرداهُ تشفياً / لم يكن إلا ولادةً أخرى بلا شهود)
#فهنا ​قواعدية الحصر:
باستخدام الشاعر أسلوب القصر (لم يكن إلا)
لتأكيد الحقيقة النهائية
​كخلاصة فلسفية:
إذ ينتهي بالانتقال من (الفعل) إلى (الوعي)
فالهدم ماكان كنهاية لكنه (ولادة معرفية) تدرك أن المجيء والغياب سيان أمام وعي عابر يمر بنفسه ثم يختفي
#ونعاين الديناميكيّة:
في (تفجّر المعنى عبر الانمحاء)
على النقيض: تتدفق الديناميكية في (تتلاشين مع كل جزر / يمضي إلى القاع)
و: (أدسّ فيه يدي / تتلاشى أصابعي)
إنها حركة نحو العدم بحيث لا تؤدي الديناميكية إلى الامتلاء بقدر ماتحيل إلى التفكك
وهنا يشتغل النص على ما يمكن تسميته بـديناميكيّة التلاشي بحيث كلّ حركة هي فقدان
#ونرقب القواعدية التعبيرية (الإحالة- العطف- التوكيد- الإشارة)
الإحالة (الضمائر):
الضمير /أنا/ يتكرر باعتباره مركزاً هشاً
بينما نجد /أنتِ/ تظلّ مؤجلة مما يخلق فجوة دلالية
والعطف (الواو/أو):
(تأتين أم لا تأتين)
تفككُ الثنائية وتحيل إلى تساوي الإمكان والعدم
أما عن التوكيد فهو في:
(لا جدار هناك)
تكرارها يعمق نفي المرجع ويؤكد الفراغ بتفسيره كحقيقة
وعن الإشارة:
(هذا الكائن)
تحيل إلى ذات مشيأة تُرى كموضوع وليست كفاعل
إنّ هذه الأدوات حين نرصدها نجد بأنها لا تؤدي وظيفة نحوية فقط إنما نراها تنتج بنية دلالية محكمة
تُعيد توزيع المعنى داخل النص
#وعن تفكيك البنية الكليّة (من الانتظار إلى الوعي)
ندرك من خلال السياقات أن النص يتحرك وفق مسار ثلاثي كالآتي :
الانتظار (بداية)
الانهيار (وسطاً)
الوعي (نهاية)
بحيثُ يبلغ الذروة في :
(لم أعد أسأل / تأتين أم لا تأتين / بل أسأل / من هذا الذي كان ينتظر)
وهنا يتحوّل السؤال من الخارج (الآخر) إلى الداخل (الذات) في قفزة فلسفية تعيد تعريف الكينونة
​ #إن دراسة نص أ.علاء تكشف عن قدرته اللغوية الفائقة في تطويع القواعد (من إحالات وتوكيد وعطف ونفي) لتكون أدوات تشريحية في مختبر الفلسفة لقد استطاع أن يبني (معمارية للعدم) بحيث الحرف يجسد الوجع مادياً إلى جانب توصيفه
​إن هذه الجزالة التعبيرية وهذا التمكن من ناصية البيان الذي يجمع بين (حريق الثلج) و(نبض الفراغ) يضع النص في مصاف (النقد المجدد) الذي يدرس الكائن في لحظة تفتته
لغته هي (فن النجاة) لم تكن مجرد تعبير إذ استطاع أن يحول /الهدم/ إلى /ولادة/ ويترك خلفه مساراً لا يتبعه أحد لأنه مسار الوعي الخالص أحييه على لغة لم تكتفِ بالإشارة إنما فتحت أبواباً للحقيقة وسط ركام التوقعات
وإنبثاقها ككيان قدري تأويلي
فهنا لا ينتهي النص بل ينفدُ من ذاته ليبدأ
إذ بعد أن تهشمت بنية الإنتظار وانسحب الزمن من ساعاته وتفككت الذات إلى سؤال عن ذاتها لم يبقَ سوى اللغة بوصفها السمة الأخيرة… والأولى
إنّ ما أنجزه أ. علاء بحرفيته المعهودة أبعد مايكون كتدوين لغياب
إنه إعادة هندسة الحضور عبر تبديده
بحيث يتحول الهدم
إلى آلية خلق
ويتحول الفراغ إلى بنية دلالية مكتفية
ويتحول (اللاشيء) إلى أكثر المفاهيم امتلاء
في هذه اللحظة تغدو اللغة كينونة مُفكّرة وليست بأداة تمارس وجودها عبر الانزياح وتنتج معناها عبر الانهيار وتثبّت حقيقتها الوحيدة :
أنّ الشعر يُنشئ ما لم يكن ممكناً أي لايقول ما هو كائن
وهكذا إذاً فالنص لايغادر قارئه إنما يُقيم فيه كإشارة مقلقة وكتشظي في يقينه وكارتباكٍ في تعريفه لذاته
وهنا تحديداً تبلغ اللغة ذروتها:
حين تُربك الفهم وتُربي المعنى على احتماله المفتوح إلى جانب حُسن التعبير
إنها لغة تشبه هذا النص:
لا تنتظر…
ولا تُنتَظر
لكنها تحدث كحتمية تأويلية لا تُفلت
أ. مبدع ونيف

مرشدة جاويش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى