رؤي ومقالات

الميتافيزيقا الإستعادية دراسة نقدية

#الميتافيزيقا #الاستعادية أونطولوجيا التشيؤ وانزياح الدلالة لإعادة تشكيل المعنى: في نص “هكذا” للشاعر القدير فاضل عباس
#النص:

هكذا
اليوم ستنتهي الحرب،
ويعود الحديد إلى برودته
كجبهة عاملٍ غسلها المساء من عرق المصانع.

ستتعب البنادق من رفع أصابعها في وجه الهواء،
وتتذكر فجأة
أنها كانت يوماً
معدناً بريئاً
يحلم أن يكون باباً لبيتٍ دافئ،
جسراً تعبره ضحكات الأطفال.
مسماراً يثبتُ نافذةً في جدار بيت،
أو مقعداً ينتظر عاشقين
يتحدثان عن المطر

اليوم ستنتهي الحرب،
فتسقط القذائف من ذاكرة السماء
كما تسقط أوراق الخريف
من شجرةٍ تعبت من العاصفة.

المدافع
ستخلع صوتها الخشن
مثل ممثلٍ انتهت مسرحيته،
والخوذات
ستعود أوعيةً صامتةً
تنتظر مطراً لا رصاصاً.

اليوم
ستتعلم الطرقات من جديد
كيف تمشي عليها الأقدام بلا خوف،
وكيف تُفتح النوافذ
دون أن ترتجف الستائر.

وسيكتشف الحديد
أن قسوته كانت استعارةً سيئة
لخوف البشر،
وأن البرودة
ليست موتاً
بل استراحةٌ طويلة
بعد حمى العالم
#الولوج الكلي الممنهج :
ينبني المدخل المنهجي لهذا الإنغماس بتوغل​ في النص تتأسس من خلاله تلك الدراسة على مقترب (السيمنطيقا التوليدية)
(عند نعوم تشومسكي)
و (فلسفة التحول الأنطولوجي) للمادة من حيث أن الشاعر لم يتعامل مع اللغة باعتبارها وعاءً للنقل إنما من منطلق صيرورتها (معملاً تداولياً) يُعيد صياغة هوية الأشياء من جذورها الوجودية
إننا أمام نص يعبر (قوة التشيؤ) (كما صاغها جورج لوكاش) لينفذ إلى (جوهر البراءة) المفقود في صلب المعدن
فالمنهج هنا يتجاوز القراءة الوصفية لحدث (نهاية الحرب) ليفكك (بنية المعدن) ذاته مستنطقاً الذاكرة المكبوتة للمواد الصماء
وهو ما نطلق عليه (نحوية الاسترجاع)
أي إعادة صياغة الجملة الشعرية لتعمل كأداة (تطهير) (بالمفهوم الأرسطي) للوجود من أدناس العنف
فإن رؤيوية الشاعر هنا لم تقف عند رصد الدمار
لكنها تمارس (استشرافاً وجودياً) يقلب موازين القوى بحيث يصبح السلم هو (الأصل الجوهري)
والحرب هي (العرض الزائل) وهذا العبور المنهجي هو ما يمنح نص “هكذا” سمته العالمية كوثيقة لإدانة القبح وتمجيد الجوهر
#عتبة العنوان : (هكذا) سيمياء الإشارة وحتمية التحقق:
إن العنوان “هكذا” يأتي بموجب (اسم إشارة ظرفي كلي)
يختزل المشهدية في لحظة تنويرية واحدة
فمفردة “هكذا” لم تكن مجرد أداة إشارة لكنها (حكم قيمة ناجز) وإعلان عن حتمية القدر الجمالي
إنها تعمل (إجرائياً) كعتبة نصية تفرض حالة من الاسترخاء
وعلى مقاربة تتجاوز النحو التقعيدي إلى ما يمكن تسميته بـ(النحو الدلالي التفكيكي) بحيث لا تُفهم البنية اللغوية بكونها نظاماً صورياً مغلقاً
إنما لإعتبارها حقلاً إشارياً متحولاً تتشابك فيه العلاقات بين المفردة ومجالها التداولي وبين التركيب وأفق تلقيه وعليه فإن (الدلالة المصطلحية) لن تكون مجرد تسمية لمفهوم
لكنها بناءً تأويلياً يعيد توزيع الحضور والغياب في النص ويحول اللغة من أداة إخبار إلى فعل كشف أنطولوجي
إذاً إن العنوان “هكذا” يمثل في بعده التركيبي إشارة حالية (ديكتيكية) منفتحة على فراغ دلالي إذ يتشكل من أداة تشبيه وإشارة سوية مما يجعله معلقاً بلا مشبه صريح وهذا التعليق هو في حد ذاته استراتيجية إغواء قرائي تدفع المتلقي إلى ملء الفراغ وتوليد معناه الخاص فالعنوان هنا ماكان عتبة نصية فقط إنما هو بنية تأسيسية تعيد توجيه أفق التأويل وتؤسس لما يمكن تسميته بـ(اللاتحديد الدلالي المنتج)
هكذا) سيمياء الإشارة وحتمية التحقق
ومنهجياً يعمل العنوان
كـ (مفتاح تأويلي) (عند أمبرتو إيكو) يحدد المسار النفسي للقارئ فهو ينتقل من (الإبهام) إلى (التجلي) محولاً الظرفية المكانية إلى حالة شعورية مطلقة تتجاوز زمن الحرب الضيق
وعن الإحالة المصطلحية: نعزو (العتبة السيميائية – لجيرار جينيت)
(والإشارة السياقية – لرومان ياكوبسون)
وكذلك لو تمعنا في النص للولوج إلى تشريح قواعدي ودلالي:
فسنلحظ فلسفة (أنسنة المعدن)
وذلك لو دخلنا في بنية النص فإننا نلمس أن الجملة الافتتاحية:
(اليوم ستنتهي الحرب) تنتظم في بنية فعلية مستقبلية (سـ + الفعل المضارع)
إذ استخدمت “السين” للمستقبل القريب المرتبط باليقين الوجودي
مما نقل الفعل من حيّز التمني إلى حيّز (الصيرورة) فالجملة الاسمية المستأنفة تمنح النص وقاراً تقريرياً يتصادم مع فداحة المأساة
ليخلق توازناً نفسياً للمتلقي
(​فالسين) هنا ليست زمناً نحوياً فقط
إنما هي (إرادة كونية)
فالنص يبدأ بنتيجة نهائية ليجعل ما يليها من صور مجرد استعادات لحق ضائع في ذاكرة الأشياء وهذا يحسب للناص المبدع
​في بنية تحمل في طياتها ما يمكن تسميته بـ(وعد الزمن) أو الانفتاح على أفق استشرافي
غير أن هذا الاستشراف ماتحقق كواقع لكنه تحقق كتخيّل مقاوم
وفي هذا السياق تتحول (الحرب) من كونها مفردة دالة على واقع
إلى بنية مجازية تتشابك فيها الذاكرة والخوف والزمن
أما لو توقفنا عند التركيب الآتي :
(ويعود الحديد إلى برودته) فنرى بأنه يكشف عن انزياح دلالي لافت
إذ يُسند الفعل (يعود) إلى (الحديد) في إسناد يخالف المنطق الواقعي
وهو ما يسمى في النقد الحداثوي بـ(تشخيص الجامد)
غير أن الأهم هنا هو تحويل (البرودة) من صفة فيزيائية إلى حالة أنطولوجية
تقابل الحمى البشرية التي أنتجت الحرب
فالبرودة هنا لم تكن نقيضاً للحياة لكنها استعادة للتوازن
وفي قوله أيضاً :
(كجبهة عامل غسلها المساء من عرق المصانع) نجد بنية تشبيهية مركبة تتداخل فيها الطبقات الدلالية
حين يصبح (المساء) فاعلاً وهو ما يشير إلى تفعيل ما يمكن تسميته بـ(نحو الطبيعة المؤنسنة)
فالزمن لم يعد إطاراً إنما أصبح فاعلاً دلالياً ينظف ويطهر
ونجد أن النص يتبدى
بأبستمولوجيا الزمن : (باشلار)
و​بإحالاتية انزياحية لوظيفة (نحوية الندم):
ففي مقطع: (ستتعب البنادق من رفع أصابعها)
نجد هنا ذروة (الأنسنة الفلسفية) فالبندقية هنا لم تكن كأداة لكنها (ذات مرغمة) فنحيل المصطلح هنا إلى (الاغتراب الوظيفي للمادة) حيث تعود البندقية إلى أصلها الجيولوجي (المعدن البريء)
وإن استخدام (كانت يوماً) يُفعل (الماضي الجوهري) في مقابل (الحاضر العرضي
المشوه بالفعل الحربي
من خلال ذلك نجد تحويلاً دلالياً مزدوجاً فالبندقية تؤنسن
و(الأصابع) تُنقل من الإنسان إلى الأداة
وهو حينها ينتج ما يمكن تسميته بـ(تبادل الحقول الدلالية) بحيث تتحرك الدوال بين الحقول (الإنساني/المادي) لتعيد تشكيل الواقع
فالنص يمنح الجماد (وعياً شقياً)
(كما في فلسفة هيغل) بحيث يرفض المعدن وظيفة القتل
ويحنّ لوظيفته السلمية (الباب- الجسر- المسمار)
ويمكننا هنا تأويل رؤيتنا
بإحالة مصطلحية إلى
(الإحالة الكنائية – تزفيتان تودوروف)
(باثوس المادة/معاناة المادة – جون روسكن)
ونتبين بالنص الحرفية في توصيف الجو العام لبنية النص مما نعزو ذلك لمعجم الاسترخاء وتفكيك الخشونة في : ​
الحديد إذ يخرج من سياق (القوة الغاشمة) إلى سياق (البرودة الاستشفائية) (كجبهة عامل)
و​المدافع فهي :
تخلع صوتها (استعارة مسرحية) لتعرية زيف القوة وهشاشة العرض العسكري
أما ​عن الخوذات:
ترفض دورها (الوقائي) العنيف لتعود أوعية صامتة تستقبل غيث السماء
ف​الشرح المنهجي لهذه الأجواء : هو (التطهير الاستعاري)
فالناص يقوم بنزع السلاح لغوياً قبل نزعه مادياً عبر تحويل أدوات الصخب إلى (أيقونات صمت) تنتظر المطر
​ولو أحلنا ذلك مصطلحياً: فنأخذه إلى (إعادة التصنيف الحسي – غاستون باشلار) (شعريات المرئي – ميرلو بونتي)
ونشاهد بالنص تكرار الجملة:
(اليوم ستنتهي الحرب) وهذا يمثل ما يعرف بـ(البنية التكرارية الإيقاعية) وهي لم تكن مجرد تكرار صوتي إنما اعتبارها إعادة لتأسيس للمعنى
كأن النص يحاول أن يقنع ذاته بما يقوله
وهنا نكون أمام ما يمكن تسميته بـ(الذات الشاعرة المرتابة)
التي تتأرجح بين الأمل والشك
وفي قوله ايضاً :
(فتسقط القذائف من ذاكرة السماء) تتمظهر مواجهة لمفهوم مركب هو (ذاكرة السماء) وهو تركيب يكسر المألوف ويؤسس لما يمكن تسميته بـ(الميتافورا الكونية) بحيث تصبح السماء ذات ذاكرة وتصبح القذائف أثراً ذهنياً قابلاً للإزالة
أما في النهاية:
( وأن البرودة ليست موتاً بل استراحة طويلة بعد حمى العالم) فنحن أمام بنية استدراكية (ليس… بل…)
إننا نلمح هنا إعادة تعريف المفهوم وتحول (البرودة) إلى قيمة إيجابية وهو ما يمكن تسميته بـ(إعادة تأهيل الدال) فالكلمة لا تبقى في معناها القاموسي لكن يعاد تشكيلها داخل النص وهذا يحسب أيضاً لحرفية الشاعر القدير
وعلى المستوى الكلي يتضح أن النص يعمل ضمن نسق نحوي مرن يتحرر من الصرامة التقعيدية ليفعل ما يمكن تسميته بـ(النحو الشعري) بحيث تتقدم الدلالة على الإعراب
ويصبح الإنزياح قاعدة وليس خروجاً
في أفق هذه القراءة يتبدى الشاعر فاضل عباس بوصفه صوتاً شعرياً ينتمي إلى أفق الحداثة التأويلية
فهو بعيداً عن الإكتفاء بقول العالم لأنه يعيد خلقه لغوياً ودلالياً
إنه شاعر يشتغل ضمن ما يمكن توصيفه بـ(قصيدة النثر ذات البعد الرؤيوي)
تلك التي لا تقوم على الإيقاع الخارجي بقدر ما تؤسس لإيقاع داخلي عميق نابع من توتر الدلالة وانكسار المعنى وإعادة تركيبه
إن انتماء الشاعر إلى هذا الأفق الأدبي يمنحه قدرة استثنائية على تطويع اللغة
بحكم أنها كينونة حية تتنفس داخل النص وتتحول معه
فهو لم يستخدم المفردة جاهزة لكنه يعيد إنتاجها
ولم يمر عبر الصورة إنما أعاد بناءها ضمن نسق دلالي مفتوح يجعل من كل عبارة احتمالاً تأويلياً لا نهائياً
كما أن شعوريته لا تنبني على الانفعال المباشر لكن هناك ترسيب وجداني عميق
يجعل النص يبدو وكأنه نتاج وعي يتأمل ذاته والعالم على حد سواء
وهذه السمة تمنح كتابته طابعاً فلسفياً شفيفاً
إذ تتجاور الحساسية الشعرية مع التأمل الوجودي دون أن تطغى إحداهما على الأخرى
إن قوة لغته تكمن في اقتصادها وكثافتها وفي قدرتها على الانزياح دون أن تفقد تماسها مع المتلقي
وفي هذا التوازن الدقيق تتجلى حرفيته العالية
فهو شاعر يمتلك وعياً لغوياً عميقاً يجعله قادراً على تفكيك البنية التقليدية للجملة وإعادة بنائها بما يخدم رؤيته
وفي هذا كله يمكن القول إن أ. فاضل عباس ينتمي إلى اللغة انتماء وجودياً وليس شكلياً حتى لتبدو قصيدته كأنها تعبير عن جوهر اللغة وهي تعيد اكتشاف نفسها بعد خراب العالم
لذلك نرى أن شعره هنا لم يكن كحلية وجمالية مجازية لكنه أصبح ضرورة ولم يستخدم لغته بالنص كوسيلة إنما كخلاص
إنه شاعر يرسخ حضوره بوصفه أحد الأصوات التي تمنح قصيدة النثر العربية بعدها الإنساني العميق
وتدفع بها نحو أفق أكثر انفتاحاً حين تتقاطع الفلسفة مع الشعر ويتحول النص إلى مساحة تأمل كبرى في مصير الإنسان واللغة معاً
أ. فاضل عباس سلم قلمك

مرشدة جاويش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى