تشرين تعود في ظل اللاحكومة والحرب الإقليمية: هل تزيح العملية السياسية؟…بقلم حيدر البرهان

مقدمة
بعد ست سنوات على انطلاق انتفاضة تشرين/أكتوبر 2019، التي هزت أركان النظام السياسي العراقي، تعود الذكرى في ظل ظروف أكثر تعقيداً. فالعراق اليوم يعيش فراغاً سياسياً حاداً بعد أربعة أشهر من إجراء الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، دون أن يتمكن من تشكيل حكومة جديدة. وفي الوقت نفسه، تشتعل حرب إقليمية على حدود العراق، تضع الفصائل المسلحة الموالية لإيران في حالة استنفار، وتعقد المشهد السياسي الداخلي.
هذه العوامل مجتمعة تطرح سؤالاً مصيرياً: هل تعود روح انتفاضة تشرين من جديد؟ وهل يمكن للحراك الشعبي، الذي قُمع بشدة قبل ست سنوات، أن يُزيح العملية السياسية برمتها في لحظة ضعف غير مسبوقة للنخب الحاكمة؟
تشرين: الحراك الذي لم يَمُت
في أكتوبر/تشرين الأول 2019، خرج مئات الآلاف من الشباب العراقي في محافظات الوسط والجنوب مطالبين بإسقاط النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والفساد المستشري. كان الحراك مختلفاً جذرياً عن كل ما سبقه: فهو لا قيادة فيه، لا ينتمي لأي حزب أو تيار ديني، ويعبر عن جيل جديد رفض المنظومة السياسية برمتها.
السلطات ردت بعنف شديد: قُتل اكثر من 850شخصاً وأصيب أكثر من 15 آلاف، كما استُخدمت فرق القناصة في الأيام الأولى من الحراك. بعد ست سنوات، لم يحصل الضحايا على العدالة. منظمة العفو الدولية توثق استمرار ملاحقة النشطاء والمتظاهرين في “حملة انتقامية” أوسع، حيث لا يزال العشرات في الاختفاء القسري، بينما يواجه آخرون أحكاماً بالإعدام بتهم ملفقة. في الناصرية، عاصمة الاحتجاجات آنذاك، يقول ناشط للمنظمة: “إنه انتقام من تشرين. أردنا التغيير، لا السلطة السياسية. أردنا عراقاً أفضل وسيادة القانون”.
تعقيد المشهد السياسي: بين الشغور والتردد
على المستوى السياسي، يعيش العراق حالة من التردد والتعقيد منذ انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2025. فبالرغم من مرور أربعة أشهر، لم يتمكن البرلمان من انتخاب رئيس جديد، وما زالت الكتل السياسية عاجزة عن الاتفاق على مرشح لرئاسة الوزراء.
نتائج الانتخابات لم تحسم الأمور: تحالف رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني حصل على 45 مقعداً، لكنه بعيد عن الأغلبية المطلقة البالغة 165 مقعداً. الأهم أن الإطار التنسيقي الذي يضم القوى الموالية لإيران، والذي دعم السوداني في 2022، منقسم اليوم بشدة حول تمديد ولايته.
يقول محللون سياسيون: “على رئيس الوزراء أن يكون شخصاً يعتقد الإطار أنه يستطيع السيطرة عليه وليس لديه طموحات سياسية خاصة. لن يمنح الإطار السوداني ولاية ثانية لأنه أصبح منافساً قوياً”. وهكذا، يتكرر سيناريو عام 2021 عندما فاز التيار الصدري بأكبر عدد من المقاعد لكنه فشل في تشكيل الحكومة، لتنتهي الأمور باشتباكات دامية في المنطقة الخضراء.
لكن اللافت هذه المرة هو التدخل القضائي غير المسبوق. فقد طرح رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان تفسيراً قانونياً جديداً للمادة 76 من الدستور، يهدف إلى منع الكتل من تشكيل تحالفات بعد الانتخابات تتجاوز الإرادة الشعبية. هذا الاقتراح قوبل برفض شديد من كتلة دولة القانون بزعامة نوري المالكي، التي تعده تهديداً لمصالحها.
الحرب الإقليمية: تعقيد إضافي
في خضم هذا الفراغ السياسي، الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تشنّان حرباً مفتوحة على إيران، والعراق هو ساحة المواجهة الأبرز. الفصائل المسلحة الموالية لطهران، والتي تملك أكثر من 100 مقعد في البرلمان الجديد، تشنّ هجمات متكررة على القوات الأمريكية وقوات التحالف في العراق وإقليم كردستان.
هذه الحرب تضعف قدرة الإطار التنسيقي على التوافق. فبينما يدعم حزب الدعوة بزعامة نوري المالكي التوجه الإيراني بالكامل، تتبنى قوى أخرى مثل عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي والتيار الصدري مقاربات أكثر تعقيداً. يقول مسؤول في الإطار التنسيقي: “مقاتلو الحشد الشعبي يتعرضون حالياً للاستهداف بغارات إسرائيلية وأمريكية. هذا سيؤخر بالتأكيد تشكيل الحكومة، وقد نبقى في ‘حكومة طوارئ'”.
الولايات المتحدة بدورها تضغط بقوة. حذّر مسؤولون أمريكيون من قبول أي مرشح لرئاسة الوزراء يسيطر على فصيل مسلح، أو تولي شخصيات مرتبطة بالميليشيات وزارات سيادية أو مناصب أمنية مهمة. لكن كتائب حزب الله، إحدى أقوى الفصائل، ردت بالقول إن “أسلحتنا ستبقى بأيدي مقاتلينا، ولن تجري مناقشات مع الحكومة قبل رحيل كل قوات الاحتلال”.
هل تعود تشرين؟
في هذا المناخ المشحون، يعود الحديث عن انتفاضة تشرين من جديد. الأحزاب المرتبطة بحراك تشرين لم تحقق نتائج في انتخابات 2025، بعد أن كانت قد دخلت البرلمان عام 2021 بـ16 نائباً. هذا الفشل يعكس ساحة لعب غير متكافئة تفضل الأحزاب المدمجة في الدولة، حيث استخدمت النخب الحاكمة موارد الدولة لتعزيز مواقعها وتهميش الأصوات الإصلاحية.
لكن هذا الانسحاب من البرلمان لا يعني قبول المواطنين بالوضع القائم. في المدن ذات الغالبية الشيعية التي شهدت احتجاجات 2019، كانت نسبة المشاركة الانتخابية من الأدنى في البلاد. هذا النمط يشير إلى أن العديد من المتظاهرين السابقين اختاروا الابتعاد عن عملية انتخابية لم يعودوا يعتبرونها وسيلة للتغيير.
الأهم أن جيلاً جديداً يتشكل، جيل ما بعد انتفاضة تشرين. هذا الجيل، كما يصفه مراقبون، هرمي البنية بطبيعته، ويتكون من مجموعات صغيرة تتحرك بشكل منفصل، وتنتظر محفزاً يجمعها، مما يحد من قدرة السلطات على احتوائه. الباحث العراقي هشام داود يشير إلى أن “ليست الظواهر الجيلية هي التي تنتج السياسة، بل السياسة، في لحظات التنافس والخصومة، تعيد تفسير هذه الظواهر وتحولها إلى أدوات للصراع”.
السيناريوهات المحتملة
أمام هذا المشهد المعقد، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة:
الأول: استمرار التعقيد السياسي، مع بقاء حكومة تصريف الأعمال لفترة طويلة، في ظل تصاعد العنف المرتبط بالحرب الإقليمية. هذا السيناريو يعزز شعور المواطنين بأن النظام السياسي عاجز عن تلبية أبسط احتياجاتهم.
الثاني: التوصل إلى تسوية داخل الإطار التنسيقي تقضي بتسمية رئيس وزراء توافقي، على غرار ما جرى عام 2022. لكن هذه التسوية، حتى لو تحققت، ستكون هشة في ظل الانقسامات العميقة والضغوط الخارجية المتضاربة. والأهم من ذلك كله الانقسامات الشديدة داخل الإطار نفسه، والتخابر مع القوى الإقليمية والدولية من أعضاء الإطار، يُقال إنه من حظوظ الاتفاق ويُضعف الحكومة القادمة قبل أن تتشكل!
الثالث: عودة الحراك الشعبي بشكل واسع، مستغلاً لحظة الضعف غير المسبوقة للنخب الحاكمة. هذا السيناريو قد يؤدي إلى زلزال سياسي يُزيح العملية السياسية برمتها.
خاتمة
بعد ست سنوات من انتفاضة تشرين، لا يزال العراق غارقاً في أزماته نفسها: نظام سياسي طائفي، فساد مستشري، وتبعية خارجية. لكن المشهد اليوم مختلف: النخب الحاكمة أضعف من أي وقت مضى، منقسمة على نفسها، وتواجه ضغوطاً إقليمية ودولية غير مسبوقة. الحرب الإقليمية المشتعلة على حدود العراق تزيد من تعقيد المشهد، لكنها قد تكون أيضاً القشة التي تقسم ظهر البعير.
جيل تشرين، الذي قُمع ومُلاحِق وسُجن، لم يَمُت. إنه يعيد تشكيل نفسه في صيغ جديدة، أكثر مرونة وانتشاراً. وما إذا كان هذا الجيل سيتمكن من استغلال لحظة الضعف التاريخية هذه لقلب الطاولة على النظام السياسي، أم أن النخب الحاكمة ستنجح في تمرير أزمتها والإبقاء على نفوذها، هو السؤال الذي سيحدد مستقبل العراق للأجيال القادمة.
في النهاية، تبقى كلمات أحد نشطاء تشرين في الناصرية، الذي لا يزال في الاختفاء القسري، عالقة في الأذهان: “أردنا تغييراً، ليس سلطة سياسية. أردنا عراقاً أفضل وسيادة القانون ودولة قوية ووطن”. السؤال الآن: هل آن الأوان لتحقيق هذا الحلم؟