رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :إسرائيل بين التفوق والاستنزاف: اختبار لا يُحسم بالضربات


في العقود الأخيرة، اعتاد مراقبو الصراع في الشرق الأوسط على قراءة الكيان الصهيوني من خلال عدسة واحدة: تفوق عسكري لا يُشكَّك فيه، وقدرة على فرض قواعد الاشتباك، وهامش حركة إقليمي واسع. هذه الصورة،رغم أنها لم تكن يومًا مكتملة،حملت قدرًا كبيرًا من الحقيقة.
لكن ما يجري اليوم داخل هذا الكيان وفي محيطه الإقليمي، خاصة في ظل الحرب المفتوحة مع #إيران وامتداداتها، يعيد رسم هذه الصورة بخطوط أكثر تعقيدًا، لا لأنه فقد تفوقه، بل لأنه يواجه اختبارًا من نوع مختلف: حدود النموذج الذي قامت عليه قوته في مواجهة من يمتلكون أدوات إيلام لا تقل قدرة على التكيف.
هذا الاختبار لا يظهر في بيانات الانتصار أو صور الضربات الدقيقة، بل في مستويات أعمق: غرف العمليات، ميزانيات الدفاع، والشارع الإسرائيلي الذي بدأ يطرح سؤالًا لم يكن مألوفًا: إلى متى؟ فالتفوق التكتيكي الذي يمتلكه الكيان—بما يشمله من سيطرة جوية، وتفوق استخباري، وبنية تكنولوجية متقدمة لا يزال قائمًا، بل ويعمل بكفاءة عالية.
غير أن البيئة التي يواجهها تغيّرت جذريًا؛ فالحرب مع إيران لم تعد حربًا بالوكالة، بل مواجهة مباشرة تختبر فيها طهران قدرتها على توجيه ضربات موجعة وصلت إلى عمق الكيان، كما حدث في ضربات ديمونة وغيرها من العمليات التي نفذتها إيران وحزب الله، مما أثبت أن الردع الإيراني لم يعد نظريًا، بل أصبح قدرة على إلحاق أضرار استراتيجية بالبنية الحيوية للكيان.
إيران وحزب الله أظهرا أن المعادلة تغيرت: لم تعد إسرائيل هي الوحيدة القادرة على الضرب في العمق. الضربات الموجعة التي طالت مواقع حساسة، واستنزاف أنظمة الدفاع الجوي عبر هجمات متزامنة، والوصول إلى نقاط ضعف في التحصيناتكلها رسائل بأن التفوق التكنولوجي وحده لم يعد كافيًا لضمان الأمن.
بل إن #إيران تدير معركة استنزاف مزدوجة: تستنزف العدو عسكريًا عبر جبهات متعددة، وتستنزفه اقتصاديًا واجتماعيًا من خلال رفع كلفة الحرب إلى مستويات لم يكن مستعدًا لها.
ومع امتداد هذا النمط من الصراع، تبدأ كلفة الاستمرار في الظهور داخل بنية الكيان الإسرائيلي نفسه. التحذيرات التي تصدر من داخل مؤسسته الأمنية لا تشير إلى انهيار وشيك، لكنها تكشف عن ظاهرة أدق: تآكل هامش التحمل.
جنود احتياط يُستدعون لدورات متكررة، قوات نظامية تعمل على أكثر من جبهة، ضغط اقتصادي متزايد على ميزانية صُممت لحروب قصيرة، وانقسامات سياسية تُعقّد عملية اتخاذ القرار. هذه ليست مؤشرات هزيمة، لكنها قيود هيكلية تعيد تعريف سقف الممكن، وتدفع تدريجيًا نحو معادلة يصبح فيها الاستمرار أكثر كلفة من أي مكسب محتمل.
يزداد هذا التعقيد مع تزامن الجبهات، لا قوة كل جبهة بمفردها. فالمعضلة لم تعد في غزة وحدها، أو في الشمال وحده، بل في التراكم الزمني والعملياتي لعدة جبهات مفتوحة في آن واحد، تتقاطع مع محور المقاومة بقيادة إيران.
هنا تظهر مفارقة حاسمة: الكيان يمتلك القدرة على الرد بقوة على كل جبهة على حدة، لكنه لا يمتلك القدرة على إنهاء كل الجبهات في الوقت نفسه، خاصة حين تكون إيران هي من تدير الإيقاع العام للصراع. وهذا الفارق بين “الرد” و”الإنهاء” هو ما يعيد تعريف طبيعة الصراع، ويفرض إيقاعًا طويلًا لا يتناسب مع بنية صُممت للحسم السريع.
وفي الخلفية، تتحرك جبهة أخرى أكثر حساسية: الجبهة الداخلية. الانقسامات السياسية التي تعمقت خلال السنوات الأخيرة لم تعد مجرد خلافات عابرة، بل أصبحت تمسّ صلب القدرة على إدارة حرب ممتدة. من الجدل حول التجنيد، إلى التوتر بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية، إلى تراجع الثقة في إدارة الحرب—كلها مؤشرات على تآكل التماسك الداخلي. وفي الحروب الطويلة، لا يقل الإجماع المجتمعي أهمية عن التفوق العسكري؛ بل قد يصبح هو العامل الحاسم في القدرة على الاستمرار.
وإيران تدرك ذلك جيدًا، لذا تركز جزءًا من استراتيجيتها على تعميق هذه الانقسامات عبر رفع الكلفة النفسية والاقتصادية للحرب.
ضمن هذه الصورة، تتبلور معادلة تبدو متناقضة في ظاهرها لكنها دقيقة في توصيف الواقع: الكيان قوي تكتيكيًا، لكنه مقيد استراتيجيًا. يمتلك القدرة على توجيه ضربات مؤلمة في أي وقت، لكنه يفتقر إلى القدرة على تحويل هذه الضربات إلى استقرار دائم أو حسم شامل، خاصة أمام خصم مثل إيران يمتلك عمقًا جغرافيًا وبشريًا، وقدرة على امتصاط الضربات وإعادة التشكل.
ونتيجة لذلك، لم تعد المعركة تُدار بهدف تحقيق “نصر” نهائي، بل بهدف إدارة الاستنزاف، على أمل أن ينهار الطرف الآخر أولًا. غير أن هذه المعادلة نفسها تحمل خطرًا بنيويًا على الكيان، إذ تطيل أمد الصراع، وتزيد من احتمالات الانزلاق نتيجة خطأ في التقدير—وهو ما قد تستغله إيران وحزب الله لقلب الموازين.
انطلاقًا من ذلك، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية: إما استمرار نمط الاستنزاف المدار، بما يحمله من كلفة داخلية متصاعدة؛ أو إعادة ضبط الاستراتيجية عبر تقليص الجبهات أو الدفع نحو تسويات مرحلية تعترف بثقل القوة الإيرانية؛ أو الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة أوسع نتيجة تفاعل الضغوط وتراكم الأخطاء—وهو السيناريو الذي قد يتحول فيه الضربات الموجعة التي يوجهها محور المقاومة إلى نقطة تحول استراتيجي.
وبين هذه المسارات، لا يبدو أن الكيان الإسرائيلي يمتلك رفاهية الحسم السريع، كما لا يمتلك القدرة على الانسحاب الكامل دون كلفة.
في المحصلة، ما يجري ليس تراجعًا بقدر ما هو اختبار للنموذج ذاته. إسرائيل لا تزال قوة عسكرية إقليمية كبرى، لكنه يكتشف أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لصناعة استقرار استراتيجي أمام خصم يمتلك أدوات إيلام حقيقية وصبرًا أسطوريًا. السؤال الذي تطرحه هذه المرحلة لم يعد متعلقًا بقدرة الكيان على الفوز في معركة قادمة، بل بقدرته على إدارة حدود قوته قبل أن تتحول هذه الحدود إلى قيد دائم. لأن ما يُحسم هنا لا يقتصر على نتائج الميدان، بل يمتد إلى قدرة أي كيان قائم على الاحتلال وهندسة ديموغرافية على الاستمرار داخل معادلة لا تسمح بانتصار كامل لأي طرف. ومن يخطئ في قراءتها سيدفع الثمن، ليس لاحقًا… بل أثناء اللعبة نفسها.
وفي العمق، يبقى السؤال الأكبر: هل يمكن لكيان قائم على الإقصاء والتوسع المستمر—يحمل في طبيعته بذور الاستنزاف الدائم—أن يعيش بسلام مع جيرانه بعد أن أثبتت إيران وحزب الله أنهما قادران على إيصال الضربات الموجعة إلى قلب هذا الكيان؟ أم أن جيناته التوسعية ستظل تدفعه إلى مزيد من المواجهات حتى يبلغ مداه، وتتحول معادلة “من يملك الصبر الأطول” إلى حكم التاريخ؟ التجربة التاريخية تقول إن الكيانات التي تبني أمنها على تفوق عسكري دائم دون مشروع سياسي قادر على احتواء الخصوم، إنما تؤجل فقط مواجهة الحتمية التي تنتظرها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى