كتاب وشعراء

السماء التي خبّأت رسائل العاشقين… بقلم وسيم الزبيري

تنهض الغيمة كسلحفاة هرِمة في الملعب المهجور للكون، تحمل على ظهرها بريدًا مُختومًا بلعاب القبلات الناقصة.
أمرُّ تحتها…
أنظر للأعلى،
أرى مظروفًا سماويًّا يتساقط،
مرقّمًا برقم خرافي:
(رسالة لم تُفتَح منذ حُزن آدم الأوّل).
على كرسي عوامل التعرية يجلس قلبي،
يضع طربوش التساؤل ويحدق في خطوط الطيران:
من هنا مرّت طائرات غرامٍ ورقية
وعصافير طينية
وحكايات لم يتسنَّ لها أن تكتمل.
ذات شتاء،
ارتجف عاشق تحت شجرة في الشارع الخلفي.
حمل رسالة إلى السماء،
كتبها بنزيف رمادي:
“يا فسيحة بما يكفي لتبلّغ غربتي…
امنحيني سحابة تجيد بكاء اسمي.
لا أحد ينصت للعاشقين الرطبي الصوت
حين يطلبون المغفرة.”

هبّت ريحٌ كأنها مبعوث سري من أرشيف الشجاعة،
نثرت الرسالة بين البيوت،
سقط نصفها عند شرفة صوت،
ونصفها الآخر عند عتبة جرح،
وكلمة واحدة ظلت عالقة
في عنق السماء:
“انتظريني”.

يحصل أحيانًا…
أن تقضي الغيوم أعمارها تشرح للتراب تفاصيل رسائل
لم تعبر يوماً إلى العيون.
يحصل أحيانًا…
أن تلتقط نجمة شيطانية سهوًا خطاب نجمة خجولة،
فتصير القصيدة مطرًا مختلطًا بالدمع والملح والحكمة.

أنا أيضًا كتبت سري للسماء يا وردة التساؤل،
قلتُ لها: “كوني أنثى شديدة الحذر من الرياح،
بالغة الجرأة في الهطول.”
ضحكت السماء،
نفخت وجهها الأزرق فوق قلبي حتى صار سحابة.
وكلما هطل المطر،
ظننتُ أن الرسائل التي خبأها العاشقون في الغيمِ
تُفرَش أخيراً فوق الأرصفة،
تبرّد أقدام المنفيين وترسلُ للطوّافين تحت النوافذ
دليلًا على أن الطفولة لم تضيع
وأن هناك أمهات
يخزنّ الرسائل في السقوف ولا يبلغها النسيان.

ذات رعد،
لوحت لي غيمة: “اقرأ نفسك قبل أن تأتي رسائل أخرى… فكل قلب نسي سطرًا واحدًا استحالت حياته مواسمَ من الضياع”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى