
ليس الصمتُ فراغاً
كما يراه العابرون
بل امتلاءٌ خفيٌّ
يتوارى خلفَ ستار السكون
إنَّه بحرٌ عميقٌ مكتظٌّ بالأسرار
تمخرُهُ المعاني في صمتٍ مهيب
كما تمخرُ النجومُ عتمةَ الليل
بضوءٍ لا يراهُ إلا مَنْ
تعلَّمَ الإصغاءَ للخفاء
نصمتُ أحياناً..
لأنَّ الكلماتِ نضبَتْ
بل لأنَّ الحقيقةَ أثقلُ
من أن تحملَها الحروف
فالكلماتُ طيورٌ وادعة
تحومُ حولَ المعنى
لكنَّها تعجزُ أن تطوّقَ أفقه
إذ إن بعضَ المعاني
أوسعُ من أن يُحدَّها جناح
وأعمقُ من أن تُقاس بمداد
ننسج من الكلام جسوراً واهية
نلقيها بين قلوبٍ
نظنُّها شواطئ أمان
نطرقُ الأبوابَ بالحروف
ونبعثُ رسائلَ الروح
علّها تجدُ نافذةً مفتوحة
غير أنّ الزمنَ يُعلِّمُنَا
بعدَ طول ارتطام
أن بعض القلوب
جزرٌ بعيدة في محيط الغموض
لا تبلغُها سفنُ الاعتذار
ولا تهتدي إليها
مراسي الفهم
في تلك اللحظة
التي يتعبُ فيها الكلام
يولدُ الصمت
يولدُ لا كعجزٍ
بل كحكمةٍ
نضجَتْ في رماد التجربة
ووقارٍ يشبهُ سكونَ الجبال
حين تنام العواصف عند أقدامها
صمتٌ يشبه شجرةً هرمة
عرفت سرَّ الفصول
فتدع أوراقها تسقط في الخريف
بطمأنينة العارفين
دون أن تشكو للريح
حكاية الرحيل
وفي الصمت
يتعلَّمُ القلبُ خفّةَ المسافر
أن يخفّف حقائبه
من الحكاياتِ الثقيلة
وأن يتركَ بعضَ الذكريات
تمضي مع الغروب
كما تمضي الشمس
مكتفيةً بضيائها
ولا تلتفت وراءها
إلى ظلٍّ كان يوماً لها
في المسافة
الشفيفة بين نبضتين
ينكشف معنى النضج
ليسَ في كثرة ما نقول
بل في أن نعرف
متى يصبح الصمت
أصدقَ من الكلام
وأبلغَ من البيان
فالصمت…
إذا نضج في الروح
تحوّل إلى نورٍ خفيّ
يفتح في الداخل
أبواب السلام
وعندها فقط نفهم
أنَّ بعض الصمت
ليس غياباً للكلام…
بل حضورٌ كاملٌ للحقيقة
بقلم: فارس محمد