رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :غياب مصري-تركي وصعود صيني.. إعادة ترتيب الغرفة الخلفية لمفاوضات إسلام آباد

بينما تتجه أنظار العالم إلى قاعة المؤتمرات في إسلام آباد، حيث انطلقت اليوم مفاوضات تاريخية بين الوفدين الأميركي والإيراني، ثمة مشهد موازٍ لا يقل أهمية يتكشف خلف الكواليس. إنه مشهد إعادة ترتيب المشهد الدبلوماسي نفسه، حيث يتراجع فجأة حضور كان متوقعاً، ويبرز آخرون في موقع الثقل الحقيقي.
غموض مصري وتراجع تركي
تشير المعطيات الأولية إلى غياب ملحوظ للدورين المصري والتركي في اللحظة الحاسمة من المفاوضات. فبعد أن كانت القاهرة طرفاً فاعلاً في المساعي التمهيدية، وصولاً إلى افتتاحها قنوات اتصال مع الحرس الثوري الإيراني، فإن “الهدوء” الذي يلف دورها حالياً يثير علامات استفهام.
يبدو أن الطرح المصري لم يحظَ بالتعاطف الخليجي المطلوب، حيث يبدو أن لكل دولة خليجية أسبابها الخاصة لعدم الميل لهذا التوجه السياسي. هذا الغياب ليس بالضرورة فشلاً، لكنه انعكاس لخلل في التوازنات: مصر تحتاج إلى غطاء خليجي لوساطتها، وهذا الغطاء لم يتوفر بالشكل الكافي.
أما تركيا، فصمتها اليوم أكثر إثارة للدهشة. فبعد أن أبدت أنقرة استعداداً لاستضافة المحادثات، واتهام تقارير لاحقة للمخابرات التركية بدور في وقف إطلاق النار، لم تحظَ الوساطة التركية بقبول خليجي أو إيراني أو إسرائيلي على حد سواء. وبينما صدرت “كلمات شكر” لمصر في مرحلة سابقة، لم يحظَ الجهد التركي برد مماثل، ليختفي اسمها تماماً من أجندة اليوم الحاسم.
على الجانب الآخر، يبدو أن بكين تمكنت من حشد أوراقها بشكل مختلف تماماً، لتظهر في اللحظة الأخيرة كـ”القناة الخلفية” الأكثر تأثيراً. فمع وصول وفد صيني إلى إسلام آباد، إلى جانب وزير المالية السعودي، تبلور تحول استراتيجي في بنية الوساطة. فالصين لم تأت لتقديم “نصيحة”، بل لتقديم “ضمانة”. هذا هو الفارق الجوهري.
كشفت مصادر دبلوماسية أن طهران طلبت “ضامناً” لأي اتفاق، ووجدت أن باكستان، رغم دورها التسهيلي، لا تملك القدرة وحدها لتقديم هذا الضمان.
وقد وجدت في الصين المرشح الأكثر قدرة على هذا الدور. فبكين تجمع علاقات استراتيجية مع واشنطن، ومع طهران (شريك أمني ومستهلك رئيسي للنفط)، وهي الدولة الوحيدة القادرة على تقديم “ضمانات” حقيقية لأي اتفاق. وفي تصريح لمسؤول باكستاني كبير: “في ليلة وقف إطلاق النار، كانت الآمال تتلاشى، لكن الصين تدخلت وأقنعت إيران بالموافقة على وقف إطلاق نار أولي”.
الموقف الخليجي ليس جامعاً. فبينما حضرت السعودية (على المستوى الوزاري) وأبدت دعماً علنياً للمسار الباكستاني، فإن غياب أي إشارة إلى دور قطر أو الإمارات في هذا التوقيت يعكس تفاوتاً في الرؤى. هذا المشهد يشير إلى أن “غرفة العمليات” الخلفية للمفاوضات لم تعد كما كانت قبل أسابيع، حيث أعادت كل دولة ترتيب أوراقها وفقاً لمصالحها المتغيرة.
لماذا غابت مصر وتركيا؟ استنتاجات أولية
هذا الغياب المفاجئ أو التراجع ليس مجرد صدفة، بل مؤشر على واقع جديد:
مصر: تحتاج إلى غطاء خليجي لوساطتها، وهو ما لم يتحقق. كما أن موقعها الجغرافي البعيد نسبياً عن مسرح الأحداث المباشر يجعل دورها أقل إلحاحاً من جيران إيران المباشرين.
تركيا: تواجه رفضاً إقليمياً متعدد الأطراف (خليجياً وإيرانياً وإسرائيلياً)، وربما تعتبر “منحازة” في حسابات بعض الأطراف، مما أفقدها الحيادية اللازمة.
في المقابل، أثبتت الصين أن دور “الضامن” هو ما تحتاجه الأطراف، وليس دور الوسيط التقليدي. باكستان تقدم “المظلة” والوساطة المباشرة، بينما تقدم الصين “الثقل” الاستراتيجي. هذه هي المعادلة الجديدة التي تتشكل اليوم في إسلام آباد.
المشهد الدبلوماسي الذي نراه اليوم ليس مجرد استكمال لمسار سابق، بل هو إعادة تشكيل له. باكستان تمسك بزمام الوساطة الميدانية، والصين تمسك بزمام الضمانات الاستراتيجية، في وقت يبدو فيه الدور المصري والتركي قد استُبعدا إلى هامش المشهد، ربما بشكل مؤقت، أو ربما بشكل يعكس تحولاً أعمق في بنية الوساطة الإقليمية. العالم يراقب اليوم ما سيخرج من قاعة المفاوضات، لكن الأهم ربما هو من يدير العرائس خلف الستار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى