
لقد كان الفليسوف الصيني العظيم ” صن تسو ” هوالذي كتب قبل ألفي عام كتابه الشهير عن ” فن الحرب ” ، وقال فيه أن ” أفضل ما يمكن لك أن تفعله ، هو أن تنتصر بدون قتال ” ، وهو الذي قال أيضاً : ” أن العمليات العسكرية تشبه النار ، إذا لم نعرف كيف نوقفها ، فأنها سوف تحرقنا ” ..
بعد انتهاء الحرب الباردة في تسعينيات القرن الماضي، وخلال مرحلة ما بعد الصراع القطبي السابق، غدت الحرب تدار وفق منطق التحالفات الموسعة لمواجهة الدول المعتدية أو لإطفاء الحروب الأهلية أو لمعاقبة الأطراف التي تستهدف قتل المدنيين.
وبعد أحداث 11 سبتمبر برزت ما أطلق عليها حروب الإرهاب التي وجهت النظرَ للجماعات والحركات المسلحة العنيفة، مقابل الحرب التقليدية التي كانت تستهدف حكوماتٍ ودولاً.
وفي كل هذه الحالات لم يكن الأمر يتعلق بحروب بالمعنى الدقيق للعبارة، بل إن الولايات المتحدة اعتبرت أن الخطر الاستراتيجي الذي يتهددها ليس المواجهة العسكرية بل التنافس الجيوسياسي والاقتصادي مع الدول الصاعدة وبصفة خاصة الصين.
وفي سنة 2022 تغيرت الصورة مع الحرب الأوكرانية التي هي الحرب الإقليمية الثانية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وبعد سنتين من اندلاع هذه المواجهة المسلحة، انطلقت الحرب في غزة ، ثم توالت المتوالية الجهنمية التي قادها نتنياهو ، وجرجر إليها أمريكا ، فأصبحت الحرائق والدمار تنتشر بسرعة رهيبة في جغرافية الشرق الأوسط .
بدا من الواضح أننا شهدنا نهايةَ الحروب المحدودة والعودة لما عبّر عنه البعضُ في السابق بمصطلح «الحروب الشاملة» التي تجمع بين أطراف عديدة وتقتضي تعبئةَ موارد ضخمة وتهم دولاً ومجتمعات كثيرة.
إلا أن الفرق بين الحروب الشاملة الراهنة وتلك التي جرت مِن قبل هو كونها تستخدم تقنيات جديدة غير مألوفة وتجري في عالم وحّدته المعادلةُ الاقتصادية الكونية.
في الحروب الجديدة اكتسى الفضاءُ والمجالُ السيبري أهميةً قصوى، بما يظهر في أنظمة الذكاء الاصطناعي والمقاتلات المسيَّرة والشبكات الرقمية الفضائية.. إلخ، إلى حد أن منطق الردع النووي التقليدي تم تجاوزه ، وإن كان ما يزال يشكل خطراً كبيراً على مستقبل البشرية.
ومن المتوقع أن الحروب الجديدة سوف تركز المواجهة في الجبهة البحرية (كما هو الشأن في البحر الأحمر والبحر الأسود والمضايق البحرية ، وفي بؤرة الصراع القادم في المجال الهندي الصيني)، بما يشكل تحدياً كبيراً للولايات المتحدة التي ربطت دوماً أمنها الحيوي بالحفاظ على حرية الملاحة في الممرات المائية.
المقدمة السابقة كانت هامة لأنها تفتح صفحات يمكن أن نري فيها شكل المواجهات التي قد تزداد فجأة وتشرف علي لحظة الدمار الشامل في مواجهة نووية !.
أن حاملات الطائرات الأمريكية ومعها البوارج والمدمرات التي تزحف لإحكام حصار مضيق هرمز ، يقترب معها اللهب من صندوق البارود ، لأن ذلك قد يحمل في طياته صدام ، ولو بالخطأ ، مع المصالح الصينية العليا .
وقد سبق لي أن تناولت التجربة الصينية في عدة مقالات نشرت أغلبها بالفعل في الإهرام ، وكانت زيارتي للصين عام 2015 واللقاءات المكثفة مع المسئولين فيها ، والإقتراب من التجربة للدراسة والتحليل ، ما ساعدني كثيراً في فهم ما يدور ، ولكن لا تزال الأسئلة المطروحة أكثر من الإجابات المتاحة ، حيث لا يتيح الإنفتاح الصيني لك أن تري إلا ما يراد لك أن تراه !.
ولعل أهم الأسئلة التي لا تزال تدور في حيرة بحثاً عن إجابة واضحة هي مصير نظام شمولي يدير إقتصاداً مفتوحاً ، فمن الممكن نظرياً أن يتطور الإقتصاد ويحقق نتائجاً باهرة ، ولكن هل يمكن في ظل ذلك أن يستمر النظام ويستقر ؟ ..
قد كان قرار دينج شياو بنج التاريخي بتحويل الإقتصاد الصيني إلي إقتصاد السوق المسيطر عليه بداية من العام 1978 ، وقرار أمريكا الإعتراف بالصين الشعبية ، وسحب إعترافها بتايوان ، بداية لعصر جديد أقتحمت فيه الصين بوابات العالم المغلقة .
كان هناك من يري أن النمو الإقتصادي علي أساس إقتصاديات السوق سوف يؤدي بالضرورة إلي نشأة طبقة متوسطة واسعة وذلك بدوره سوف يخلق حريات سياسية وتطور ديمقراطي .
ويبدو أن تلك الحتمية النظرية ليست قاعدة مسلمة في كل التطبيقات ، رغم ما قد تحمله بعض شروخ الإستبداد في الهيكل الإجتماعي/ الإقتصادي ، وما قد يترتب علي ذلك في المستقبل من تصادم لا مفر منه ، خاصة إذا توافرت أيضاً عوامل خارجية مواتية .
ما يمكن ملاحظته في الوقت الحالي هو أن التراث الثقافي/ السياسي الصيني العتيد لا يزال يمثل ” الصمغ ” الذي يلصق مكونات المجتمع ، ولكن بمرور الوقت يتعرض هذا التراث للتآكل بفعل عدة عوامل بعضها داخلي أبرزها الإستبداد والفساد ، وعوامل خارجية تبدو كنتيجة حتمية للإحتكاك المستمر مع العالم الخارجي رغم كل القيود والتحكمات المركزية .
ومن ناحية أخري ، فأن تنامي القوة الإقتصادية يقترن سياسياً بحركتين لازمتين : المزاحمة علي الأسواق مع قوي أخري منافسة ، والحركة الثانية ترتبط بالأولي وهي الإزاحة التدريجية التي تدفع بالصين حتي دون إرادتها إلي الحلول محل القوة الدولية المسيطرة في العالم اليوم ( أمريكا ) ، وهي ما يطلق عليه علماء السياسة ” فخ سيوسيديدس ” Thucydides’s Trap ، الذي يعني بإختصار التوجه الطبيعي للدولة إلي الصراع ، الذي قد يصل إلي حد الحرب الفعلية ، عند توافر مقومات كافية لعناصر القوة الشاملة ، وأحياناً يكون هذا الصراع هروباً للأمام من مشاكل داخلية ملحة وضاغطة ، لضمان توحيد المجتمع .
وخلاصة كل ما تقدم هي أن الصين تقدم نموذجاً لإقتصاد حر في مجتمع غير حر ، وهذه المعادلة العرجاء قد تستمر بفعل قوة القصور الذاتي لمجتمع يعيد أكتشاف نفسه ووضع قواعده الجديدة ، غير أن إستمرار هذه المعادلة لفترة أخري تتجاوز مرحلة التراكم المتسارع لقوة الإقتصاد قد يفرض تحديات هائلة ، وربما يكون مقدمة لحرب كونية في المستقبل .