رؤي ومقالات

د. أسامة حمدي يكتب:منير والعقول الحائرة.. والقلوب التي لا تحتمل أكثر!

خرج متمردًا بصوته على كل شيء.. كلماته صارخة صادمة.. وموسيقاه غريبة غاضبة، لم تعهدها الأذن من قبل.. وصوته كناي حزين يعزف منفردًا على ضفاف النيل! كان منير بصوته النوبي معبرًا عن شباب ثائر وغاضب وناقم على كل شيء، ولا يعرف كيف يعبر عن غليانه المكبوت، فوجد فيه صوته! وكنت وكان كثيرون من أبناء جيلي من هذا الشباب التائه الذي عاش مسكرًا في حلم جميل بوطن يلامس السماء بطموحه، وعلى أمل صادق أن يبني بلده بما تعلمه، ويعطي له دمه وعرقه، ويزرع في أرضه حبه الغض لمحبوبة تمسك يده، وتشد من أزره، فإذا به يرى نفسه فجأة وسط انفتاح مادي وعشوائي، وانقلاب اجتماعي مدمر، رفع حثالة المجتمع إلى أعلى، وهبط بشبابه المتعلم بعقولهم المتوهجة إلى سابع أرض. قال عنا منير: بنتولد متلفهين على صدر أم وكتف أب مرتاحين… كما زرعة خضرة في أرض طين! فإذا بنا نتوجع مع وطننا الذي ضاع من بين أيدينا، ونعيش محنته مجبرين لا مخيرين، فيقف منير وسطنا ويقول على لساننا: قلب الوطن مجروح لا يحتمل أكتر… نهرب وفين حنروح لما الهموم تكتر! إحنا غصون الورد من دمع تاه على الخد… قلب الوطن مجروح لا يحتمل أكتر! لو قلبي عاد ضميه… إديه حنان وداديه… فين الولد ما يروح لازم يعود أسمر! هاجر الشباب لأنه لم يجد فرصة عمل في بلده في ظل غلاء لم يعهده من قبل، ومتطلبات لم يعد قادرًا عليها، وأصبح زواج الحبيبة المنتظرة أمنية بعيدة المنال. قال منير: أنا عارفك يا صغير السن! ترسملي عاشق بيئن! جعل منير أوجعاننا تعيش وتتنفس مع حبيب نحاول أن نفرح معه ونُفرحه، فتعصرنا الحياة معًا وتبعدنا، فنفارق الوطن والحب، ويحاول منير أن يواسينا بكلماته، وأن يخفف عنا فيقول: مش كل شي بيفوت في عمرنا بيجرح… قلب الحياة مليان حاجات وبتفرح!
ذهبت لأقابل منير وأدعوه ليحيي حفلة في كليتي مقابل مئات قليلة من الجنيهات له ولفرقته، فكانت سعادته لا توصف لأنه سيغني وسط جيله، ويصرخ معه وله. وقف الشاب النحيف بسمرته المحببة، وقال بلساننا لكل حبيبة: صوتك وسط القلوب أنا بعرفه… صوتك مليون كمنجة بيعزفوا… صوت مفيش أي شعر يقدر حبيبتي يوصفه. خليني أصرخ جوه حضنك من الحنان… وكل ما أصرخ زودي الأحضان كمان. كنا مع كلماته الصادقة ينظر بعضنا إلى بعض والدموع في أعيننا، فلقد أصبح الوطن سجنًا لا تستطيع أحلامنا أن تتجاوزه، فصرخ المثقف الثائر مجدي نجيب، وصرخ معه منير: شبابيك! الدنيا كلها شبابيك!! ولا حد شاف فين مكاني ورا الشبابيك! أنا بعت الدموع والعمر… طرحت جنايني في الربيع الصبر… وقولت أنا عاشق سقوني كتير المر… ورا الشبابيك!
تخرجنا في الكلية ومنير يصيح: ما نرضاش يخاصم القمر السما… ما نرضاش تدوس البشر بعضها… ما نرضاش يموت جوه قلبي نِدا… ما نرضاش تهاجر الجذور أرضها! ومع كل دقة من الطبول كانت قلوبنا ترتجف! ويكمل فيقول ونحن معه: مين اللي عاقل فينا؟ مين مجنون؟ مين اللي مدبوح من الألم؟ مين اللي ظالم فينا؟ مين مظلوم؟ يا ناس… يا ناس… يا مكبوتة.. هي دي الحدوتة…حدوتة مصرية! قابلت منير في أحد المطارات الأوروبية، وتذكرنا شبابنا ومعاناتنا، وقلت له سأرسل إليك بعض كلماتي لتغنيها. رأيت في عينيه لمعة الحزن التي رأيتها أول مرة قابلته فيها في سنوات الدراسة وكأنه يقول مفيش فايدة! أرسلت أليه الكلمات، ولكني لم أسمع منه، ولم يُغنِّها، وربما نسي اللقاء برمته، ونسيته أنا معه، فقلوبنا وعقولنا مزدحمة بما عشناه وعايشناه.. ولا تحتمل أكثر!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى